بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله بقوله تعالى :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
أي : الملك الأعلى ، قال ابن عباس ومقاتل : من كان يخشى البعث والحساب والرجاء بمعنى الخوف ، وقال سعيد بن جبير : من كان يطمع في ثواب الله
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
أي : الوقت المضروب للقائه
لَآتٍ
أي :
لجاء لا محالة فإنه لا يجوز عليه إخلاف الوعد ، فإن قيل : كيف وقع فإن أجل الله لآت جوابا للشرط ؟ أجيب : بأنه إذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء آتيا لا محالة كما تقول من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب ، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة ، وقال مقاتل يعني : يوم القيامة لكائن ومعنى الآية أن من يخشى الله تعالى ويأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم كما قال تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
[ الكهف : 110 ]
وَهُوَ السَّمِيعُ
أي : لما قالوه
الْعَلِيمُ
يعلم من صدق فيما قال ومن كذب فيثيب ويعاقب على حسب علمه ، قال الرازي : وههنا لطيفة وهي أنّ للعبد أمورا هي أصناف حسناته عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم ، وعمل لسانه وهو يسمع ، وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت ، ولمرئيه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب بشر كما وصف في الخبر في وصف الجنة ا ه .
( تنبيه ) : لم يذكر الله تعالى من الصفات غير هذين الصفتين كالعزيز والحكيم وذلك لأنه سبق القول في قوله
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا
وسبق الفعل بقوله تعالى :
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
وبقوله تعالى :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وبقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
ولا شك أن القول يدرك بالسمع ، والعمل منه ما يدرك بالبصر ومنه ما لا يدرك به كما علم مما مرّ والعلم يشملها .
ولما بين تعالى أنّ التكليف حسن واقع وإن عليه وعدا وإيعادا ليس لهما دافع بين أن طلب الله تعالى ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه بقوله تعالى :
وَمَنْ جاهَدَ
أي : بذل جهده في جهاد حرب أو نفس حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة
فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
لأنّ منفعة جهاده له لا لله تعالى فإنه غني مطلق كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي : المتصرّف في عباده بما شاء
لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
أي : الأنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
[ فصلت : 46 ] وقوله تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
[ الإسراء : 7 ] فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح ويخلصه لأنّ من عمل فعلا يطلب به ملكا ويعلم أنّ الملك يراه يحسن العمل ويتقنه ، وإذا علم أن عمله لنفسه لا لأحد يكثر منه ، نسأل الله الكريم الفتاح أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يفعل ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا بمحمد وآله .
ولما بين تعالى حال المسئ مجملا بقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا
إشارة إلى التعذيب مجملا ، وذكر حال المحسن بقوله تعالى :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
وكان التقدير فالذين جاهدوا والذين عملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء عطف عليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
أي : في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم وفي ذلك إشارة إلى أن رحمته تعالى أتم من غضبه وفضله أتم من عدله وأشار بقوله تعالى :
لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد من أن يزل عن الطاعة لأنه مجبول على