تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ادعائهم معه سبحانه شريكا
قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
أي : عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره ، وقيل : يعدلون عن هذا الحق الظاهر ، ونظير هذه الآية أوّل سورة الأنعام . الثاني : منها قوله تعالى :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
وهو بدل من
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ
وحكمه حكمه ، ومعنى قرارا ألا تميد بأهلها ، وكان القياس يقتضي أن تكون هادئة أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء ، ولكن الله تعالى أبدى بعضها من الماء بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها
وَجَعَلَ خِلالَها
أي : وسطها
أَنْهاراً
أي : جارية على حالة واحدة فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب لتغيرت مجاري المياه . ثم ذكر تعالى سبب القرار بقوله تعالى :
وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ
أي : جبالا أثبت بها الأرض على ميزان دبّره سبحانه وتعالى في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب . ولما كان بعض مياه الأرض عذبا وبعضها ملحا مع القرب جدّا ، بيّن الله تعالى أن أحدهما لم يختلط بالآخر بقوله تعالى :
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
أي : العذب والملح
حاجِزاً
من قدرته يمنع أحدهما أن يختلط بالآخر
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي : المحيط علما وقدرة معين له على ذلك
بَلْ أَكْثَرُهُمْ
أي : الذين ينتفعون بهذه المنافع
لا يَعْلَمُونَ
توحيد ربهم بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح . تنبيه : في قراءة أإله مثل أئنكم . الثالث منها قوله تعالى :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
أي : المكروب وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرّع إلى الله تعالى
إِذا دَعاهُ
وقت اضطراره ، وعن ابن عباس : هو المجهود ، وعن السدي هو الذي لا حول له ولا قوة . فإن قيل : هذا يعم كل مضطرّ وكم مضطرّ يدعو فلا يجاب ؟ أجيب : بأنّ اللام فيه للجنس لا للاستغراق ولا يلزم منه إجابة كل مضطرّ ، وقوله تعالى :
وَيَكْشِفُ السُّوءَ
كالتفسير للاستجابة وأنه لا يقدر أحد على كشف ما وقع له من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة إلا القادر الذي لا يعجزه شيء والقاهر الذي لا ينازع ، والإضافة في قوله تعالى :
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
بمعنى في أي يخلف بعضكم بعضا لا يزال يجدّد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي : الملك الذي لا كفؤ له ثم استأنف التبكيت تفظيعا له ومواجها به بقوله تعالى :
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
أي : تتعظون وقرأ أبو عمرو وهشام بالياء ، التحتية على الغيبة ، والباقون بالخطاب وفيه ادغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل . الرابع منها : قوله تعالى :
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ
أي : يرشدكم إلى مقاصدكم
فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ
أي : بالنجوم والجبال والرياح
وَالْبَحْرِ
بالنجوم والرياح
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ
أي : التي هي دلائل السير
بُشْراً
أي : تنشر السحاب وتجمعها
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
أي : التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع : التي من تجاه الكعبة الصبا ، ومن ورائها الدبور ، ومن جهة يمينها الجنوب ، ومن شمالها الشمال ولكل منها طبع فالصبا حارة يابسة ، والدبور باردة رطبة ، والجنوب حارة رطبة ، والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب على أهلها جعلنا الله ووالدينا ومشايخنا وأصحابنا ومن انتفع بشيء من هذا التفسير ودعا لنا بالمغفرة