[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 61 إلى 63 ]
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 )
.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا
أي : بما لنا من العظمة
إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ
أي : من القبيلة
صالِحاً
ثم ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن بقوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
أي : الملك الأعظم وحده ولا تشركوا به شيئا ، ثم تعجب منهم بما أشارت إليه الفاء وإذا المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى الاجتماع بقوله :
فَإِذا هُمْ
أي : ثمود
فَرِيقانِ
وبين بقوله تعالى :
يَخْتَصِمُونَ
أنهم فرقة افتراق بكفر وإيمان لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان ، ففريق صدق صالحا واتبعه وفريق استمرّ على شركه وكذبه وكل فريق يقول أنا على الحق وخصمي على الباطل .
ثم استعطف صالح عليه السّلام على المكذبين بأن
قالَ
لهم
يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
أي : تطلبون العجلة بالإتيان
بِالسَّيِّئَةِ
أي : التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر
قَبْلَ
الحالة
الْحَسَنَةِ
من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم ، والاستعجال : طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب ، واستعجالهم لذلك بالإصرار على سببه وقولهم استهزاء
ائْتِنا بِما تَعِدُنا
وكانوا يقولون إنّ العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه تبنا حينئذ واستغفرنا ، فحينئذ يقبل الله تعالى توبتنا ويدفع العذاب عنا ، فخاطبهم صالح عليه السّلام على حسب عقولهم واعتقادهم فقال :
لَوْ لا
أي : هلا ولم لا
تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
أي : تطلبون غفرانه قبل نزول العذاب ، فإنّ استعجال الخير أولى من استعجال الشرّ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
تنبيها لهم على الخطأ فيما قالوه فإنّ العذاب إذا نزل بهم لا تقبل توبتهم .
تنبيه : وصف العذاب بأنه سيئة مجازا إمّا لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروها ، وأمّا وصف الرحمة بأنها حسنة فقيل حقيقة وقيل مجاز .
ثم إنّ صالحا عليه السّلام لما قرّر لهم هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد بأن
قالُوا
فظاظة وغلظة
اطَّيَّرْنا
أي : تشاءمنا
بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
أي : وبمن آمن بك ، وذلك أن الله تعالى قد أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا ، فقالوا حل بنا هذا الضرر والشدّة من شؤمك وشؤم أصحابك ، قال الزمخشري : كان الرجل يخرج مسافرا فيمرّ بطائر فيزجره فإن مرّ سانحا تيمن وإن مرّ بارحا تشائم ، قال الجوهريّ : السنيح والسانح ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائر وغيرهما وبرح الظبي بروحا إذا ولاك مياسره يمرّ من ميامنك إلى مياسرك والعرب تتطير بالبارح وتتفائل بالسانح ، فلما نسبوا الخير والشرّ إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله تعالى وقسمته .
تنبيه : أصل اطيرنا تطيرنا أدغمت التاء في الطاء واجتلبت همزة وصل .
ثم أجابهم صالح عليه السّلام بأن
قالَ
لهم
طائِرُكُمْ
أي : ما يصيبكم من خير وشرّ
عِنْدَ اللَّهِ
أي : الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة وهو قضاؤه وقدره وليس شيء منه بيد غيره ، وسمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان ، فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم ، وقال ابن عباس : الشؤم أتاكم من عند الله تعالى بكفركم ، وقيل : طائركم عملكم عند الله سمي طائرا لسرعة صعوده إلى