تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
ولما وصف تعالى : العقاب المعدّ للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله تعالى :

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 15 إلى 29 ]

قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 )
قُلْ
أي : لهؤلاء البعداء البغضاء
أَ ذلِكَ
أي : المذكور من الوعيد وصفة النار
خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ
أي : الإقامة الدائمة
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
أي : وعدها الله تعالى لهم ، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف . فإن قيل : كيف يقال : العذاب خير أم جنة الخلد ، وهل يجوز أن يقول القائل : السكر أحلى أم الصبر ؟ أجيب : بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر ، فضربه ويقول له : هذا خير أم ذلك ؟ قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها ، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور ، قال تعالى :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
[ الإنسان ، 9 ] فإن قيل : الجنة اسم لدار الخلد ، فأي فائدة في قوله تعالى :
جَنَّةُ الْخُلْدِ
؟ أجيب : بأنّ الإضافة قد تكون للبيتين ، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ
[ الحشر ، 24 ] وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا ، ثم حقق تعالى أمرها تأكيدا للبشارة بقوله :
كانَتْ لَهُمْ جَزاءً
أي : ثوابا على أعمالهم بفضل الله تعالى وكرمه
وَمَصِيراً
أي : مرجعا . فإن قيل : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعدما صارت كذلك فلم قال تعالى :
كانَتْ
؟ أجيب : من وجهين : الأول : أن ما وعده الله تعالى فهو في تحققه كالواقع ، الثاني : أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم ، فإن قيل : لم جمع تعالى بين الجزاء والمصير ؟ أجيب : بأن ذلك كقوله تعالى :
نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
[ الكهف ، 31 ] ، فمدح الثواب ومكانه ، كما قال تعالى :
بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
[ الكهف ، 29 ] فذم العذاب ومكانه ؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة ، وإلا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته ،
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 10 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين