تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
وثالثها : اختلاف أحوال النبات ، ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى :
وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ
[ يونس : 6 ] . والاستقصاء في شرح هذه الأحوال لا يدخل تحت الحصر ، بل كل ما ذكر العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب .
لَآياتٍ
أي : دلالات على قدرته تعالى .
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
اللّه فإنه يحملهم على التفكر والتذكر ، وخصهم بالذكر ؛ لأنهم المنتفعون بها . قال القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أنّ الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل ، وإذا كان كذلك فلا بدّ من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسئ ، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد . ولما أقام اللّه سبحانه وتعالى الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحمن ، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها ، وشرح أحوال من يؤمن بها ، وقد ابتدأ بأوّلها ووصفه بأربع صفات مبتدئا بأوّلها بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
أي : لا يخافونه لإنكارهم البعث ، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها ، فهم مكذّبون بالثواب والعقاب والرجاء ، يكون بمعنى الخوف ، وبمعنى الطمع ، فمن الأوّل قول العرب : فلان لا يرجو فلانا ، بمعنى لا يخافه ، ومنه قوله تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ نوح : 13 ] ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي « 1 » :
إذ لسعته النحل لم يرج لسعها
أي : لم يخفها . ومن الثاني قولهم : فلا يرجو فلانا ، ، أي : يطمع فيه ، والمعنى : لا يطمعون في ثوابنا ، والصفة الثانية والثالثة : قوله تعالى :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتها وزخارفها ، وسكنوا فيها سكون من لا ينزع عنها ، والصفة الرابعة : قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا
أي : دلائل وحدانيتنا
غافِلُونَ
تاركون النظر فيها ، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدّة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية ، ويحتمل أنّ الصفة الأخيرة لفريق آخر ، ويكون المراد بالأوّلين : من أنكر البعث ، ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، وبالآخر : من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له ، ولما وصفهم اللّه تعالى بتلك الصفات قال :
أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
من الشرك والمعاصي ، ولما شرح أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
والأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك
هامش
( 1 ) عجزه :وخالفها في بيت نوب عواسلوالبيت من الطويل ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 144 ، ولسان العرب ( نوب ) ، ( خلف ) ، ( رجا ) ، وتهذيب اللغة 15 / 489 ، وتاج العروس ( خلف ) ، ( رجا ) ، وكتاب العين 5 / 177 ، 8 / 379 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 7 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين