تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
فلما فرط منه ما فرط قال لهم أبو بكر : قوموا لستم مني ولست منكم وكفى بذلك داعيا في المنع ، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من أجنبي ؛ قال الشاعر « 1 » :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة * على المرء من وضع الحسام المهند
فقال له مسطح : نشدتك اللّه والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان لنا أول الأمر من ذنب فقال : ألم تتكلم ؟ فقال : قد كان بعض ذلك عجبا من قول حسان فلم يقبل عذره ، وقال : انطلقوا أيها القوم فإن اللّه لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدّقوا على من تكلم بشيء من الإفك ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أبي بكر وقرأ عليه الآية ، فلما وصل إلى قوله :
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال : بلى يا رب إني أحب أن تغفر لي ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال : قبلت ما أنزل اللّه تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط اللّه عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له ، وقال : واللّه لا أنزعها أبدا ، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات ، ولا شك أن هذا أعظم من مقاتلة الكفار ؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة الكفار ، ولهذا روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 2 » .
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
أي : العفائف
الْغافِلاتِ
أي : عن الفواحش وهنّ السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر ؛ لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات ؛ قال في ذلك القائل متغزلا « 3 » :
ولقد لهوت بطفلة ميالة * بلهاء تطلعني على أسرارها
وكذلك البله من الرجال في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكثر أهل الجنة البله » « 4 » ، وقيل : البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا بالنظر إلى وجهه الكريم
الْمُؤْمِناتِ
بالله ورسوله
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي : عذبوا في الدنيا بالحد ، وفي الآخرة بالنار
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
لعظم ذنوبهم ؛ قال مقاتل : هذا خاص في عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول المنافق ، وروي أنه قيل لسعيد بن جبير : من قذف مؤمنة يلعنه اللّه في الدنيا والآخرة ، فقال : ذلك لعائشة رضي اللّه عنها خاصة . قال الزمخشري : ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر أنّ اللّه عز وجل قد غلظ في
هامش
( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 3 ) البيت من الكامل ، وهو للنمر بن تولب في ديوانه ص 349 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( بله ) ، وتهذيب اللغة 6 / 312 ، وأساس البلاغة ( بله ) ، وتاج العروس ( بله ) . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 79 ، 10 / 264 ، 402 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7 / 157 ، 244 ، 627 ، 9 / 236 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 286 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 39283 .