تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة اللّه وطلب مرضاته من مكة إلى المدينة
ثُمَّ قُتِلُوا
في الجهاد بعد الهجرة ، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ، وألحق به مطلق الموت فضلا منه بقوله تعالى :
أَوْ ماتُوا
أي : من غير قتل
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ
أي : الجامع لصفات الكمال
رِزْقاً حَسَناً
هو رزق الجنة من حين تفارق أرواحهم أشباحهم ؛ لأنهم أحياء عند ربهم
وَإِنَّ اللَّهَ
أي : الملك الأعلى القادر على الإحياء كما قدر على الإماتة
لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
فإنه يرزق بغير حساب يرزق الخلق عامة البارّ منهم والفاجر . فإن قيل : الرازق في الحقيقة هو اللّه تعالى لا رازق للخلق غيره فكيف قال :
لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ؟
أجيب : بأنّ غير اللّه يسمى رازقا على المجاز كقولهم : رزق السلطان الجيش أي : أعطاهم أرزاقهم ، وإن كان الرازق في الحقيقة هو اللّه تعالى ، ولما كان الرزق لا يتم إلا بحسن الدار وكان ذلك من أفضل الرزق قال تعالى دالا على ختام التي قبل :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
هو الجنة يكرمون فيه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا ينالهم فيها مكروه ، وقيل : هو خيمة في الجنة من درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع ، وقرأ نافع بفتح الميم أي : دخولا ، أو مكان دخول ، والباقون بالضم أي : إدخالا أو مكان إدخال
وَإِنَّ اللَّهَ
أي : الذي عمت رحمته وتمت عظمته
لَعَلِيمٌ
أي : بمقاصدهم وما عملوا مما يرضيه وغيره
حَلِيمٌ
عما قصروا فيه من طاعته وما فرّطوا في جنبه تعالى ، فلا يعاجل أحدا بالعقوبة . روي أنّ طوائف من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : يا نبيّ اللّه هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم اللّه تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فأنزل اللّه تعالى هاتين الآيتين
ذلِكَ
أي : الأمر المقرّر من صفات اللّه تعالى الذي قصصناه عليك
وَمَنْ عاقَبَ
أي : جازى من المؤمنين
بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ
ظلما من المشركين أي : قاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ
أي : ظلم بإخراجه من منزله ، قال مقاتل : نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من محرم ، فقال بعضهم لبعض : إنّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام ، فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون وكرهوا قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال لأجل الشهر الحرام ، فأبى المشركون ، فقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصرهم اللّه تعالى عليهم فذلك قوله تعالى :
لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
أي : الذي لا كفء له
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما
لَعَفُوٌّ
عن المؤمنين
غَفُورٌ
لهم . فإن قيل : لم سمى ابتداء فعلهم عقوبة مع أن العقاب من العقب وهو منتف في الابتداء ؟ أجيب : بأنه أطلق عليه ذلك للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى ، 40 ]
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النساء ، 142 ] ، وكما في قوله : كما تدين تدان . فإن قيل : كيف طابق ذكر العفو الغفور في هذا الموضع مع أنّ ذلك الفعل جائز للمؤمنين ؛ لأنهم مظلومون ؟ أجيب : بأن المنتصر لما اتبع هواه في الانتقام ، وأعرض عما ندب اللّه تعالى له بقوله تعالى :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ الشورى ، 43 ] وبقوله تعالى :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ الشورى ، 40 ] وبقوله تعالى :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ البقرة ، 237 ] ، فكان في إعراضه عما ندب إليه نوع إساءة أدب فكأنه تعالى قال : عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها له ،