الدماء حول البيت ولطخوه بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت .
ثم كرّر سبحانه وتعالى التنبيه على عظيم تسخيرها منبها على ما أوجب عليهم به بقوله تعالى :
كَذلِكَ
أي : التسخير العظيم
سَخَّرَها لَكُمْ
بعظمته وغناه عنكم
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
أي : أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه ، كأن تقولوا اللّه أكبر على ما هدانا والحمد للّه على ما أولانا ، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر وعدّي تعديته .
ثم وعد من امتثل الأمر بقوله تعالى :
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
أي : المخلصين فيما يفعلونه ويذرونه كما قال تعالى من قبل
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير مخبتا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه ، وقال ابن عباس : الموحدين . وقوله تعالى :
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 38 إلى 51 ]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38 ) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 41 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ ( 42 )
وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ( 43 ) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 44 ) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 )
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 ) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 49 ) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 50 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 51 )
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي لا كفء له
يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وسكون الدال وفتح الفاء والباقون بضم الياء وفتح الدال وبعدها ألف وكسر الفاء أي : يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه ولم يذكر اللّه تعالى ما يدفعه عنهم حتى يكون أعظم وأفخم وأعمّ وإن كان في الحقيقة أنه يدفع بأس المشركين فلذلك قال تعالى بعده
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له صفات الكمال
لا يُحِبُّ
أي : لا يكرم كما يفعل المحب
كُلَّ خَوَّانٍ
في أمانته
كَفُورٍ
لنعمته وهم المشركون ، قال ابن عباس : خانوا اللّه فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه ، فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته وقال مقاتل : يدفع عن الذين آمنوا بمكة حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قتلهم سرّا فنهاهم عن ذلك ثم أذن اللّه تعالى لهم قتالهم بقوله تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ
أي : المشركين والمأذون فيه وهو في القتال محذوف لدلالة يقاتلون عليه
بِأَنَّهُمْ
أي بسبب أنهم
ظُلِمُوا
فكانوا يأتونه صلّى اللّه عليه وسلّم بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت وهي أوّل آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وقيل نزلت في قوم بأعيانهم مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن اللّه لهم في قتال الكفار الذي منعوهم من الهجرة بأنهم