تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
جبار » « 1 » ، أي : هدر رواه الشيخان وغيرهما ، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا ، ولذلك قضى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما دخلت ناقة البراء حائطا وأفسدته ، فقال : « على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل » « 2 » ، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود ، نفاه بقوله تعالى :
وَكُلًّا
أي : منهما
آتَيْنا حُكْماً
أي : نبوّة وعملا مؤسسا على حكمة العلم
وَعِلْماً
مؤيدا بصالح العمل ، وعن الحسن لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان لصوابه ، وعلى داود باجتهاده انتهى ، وهذا على الرأي الثاني ، وعليه أكثر المفسرين ، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ، فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ ، فله أجر » « 3 » ، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه ؟ رأيان أظهرهما الثاني ، وإن كان مخالفا لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للتقسيم في الحديث معنى وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق ؛ لأنّ اجتهاده عبادة ، والإثم في الخطأ عنه موضوع . فائدة : من أحكام داود وسليمان عليهما السّلام ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « كانت امرأتان معهما ابناهما ، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب بابنك ، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان ، فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها ، فقضى به للصغرى » « 4 » أخرجاه في الصحيحين . ثم إنه تعالى ذكر لداود وسليمان بعض معجزات ، فمن بعض معجزات الأوّل ما ذكره بقوله تعالى :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ
مع صلابتها وعظمها
يُسَبِّحْنَ
معه أي : يقدّسن اللّه تعالى ، ولو شئنا لجعلنا الحرث والغنم تكلمه بصواب الحكم ، وقال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ، وقوله تعالى :
وَالطَّيْرَ
عطف على الجبال أو مفعول معه ، وقال وهب : كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذا الطير ، وقال قتادة : يسبحن أي : يصلين معه إذا صلىّ ، وقيل : كان داود إذا فتر يسمعه اللّه تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، وقيل : يسبح من رآها تسير معه بتسيير اللّه تعالى ، فلما جبلت على التسبيح وصفت به ( كنا غافلين ) أي : من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل ، ولكل شيء نريده ، فلا تستكثروا علينا أمرا ، وإن كان عندكم عجبا ، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة . كان مطرف بن عبد
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الديات حديث 6912 ، ومسلم في الحدود حديث 1710 ، والترمذي في الزكاة حديث 642 ، والنسائي في الزكاة حديث 2497 ، وابن ماجة في الديات حديث 2673 ، والدارمي في الزكاة حديث 1668 ، وأحمد في المسند 2 / 475 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في البيوع حديث 3570 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الاعتصام حديث 7352 ، ومسلم في الأقضية حديث 1716 ، وأبو داود في الأقضية حديث 3574 ، والنسائي في القضاة حديث 5381 ، وابن ماجة في الأحكام حديث 2314 . ( 4 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 40 ، ومسلم في الأقضية حديث 20 ، والنسائي في القضاة باب 14 ، 15 ، وأحمد في المسند 2 / 322 ، 340 .