تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة . وقيل : كان ذلك التعقد خلقة فسأل اللّه تعالى إزالته واختلفوا في أنه لم طلب حل تلك العقدة ؟ فقيل : لئلا يقع خلل في أداء الوحي وقيل لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه وقيل : لإظهار المعجزة كما أنّ حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى معجز في حقه واختلفوا في زوال العقدة بكمالها فقيل : بقي بعضها لقوله :
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
[ القصص ، 34 ] وقول فرعون ولا يكاد يبين وكان في لسان الحسين بن عليّ رضي اللّه تعالى عنهما رتة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ورثها من عمه موسى » « 1 » وقال الحسن : زالت بالكلية لقوله تعالى :
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
[ طه ، 36 ] وضعف هذا الرازي بأنه لم يقل : وأحلل العقد من لساني بل قال :
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه اللّه سؤله قال والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء وقال الزمخشري : وفي تنكير العقدة ولم يقل وأحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا أي : ولذا قال :
يَفْقَهُوا
أي : يفهموا
قَوْلِي
عند تبليغ الرسالة ولم يطلب الفصاحة الكاملة ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل : عقدة من عقد لساني . تنبيه : استدل على أنّ في النطق فضيلة عظيمة بوجوه : أوّلها : قوله تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن ، 3 ] فماهية الإنسان هي الحيوان الناطق . ثانيها : اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير « 2 » :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقالوا : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة أي : لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم ، وقالوا : المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، وقالوا : المرء مخبوء تحت لسانه . ثالثها : أنّ في مناظرة آدم مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 33 ] . ولما رأى موسى أنّ التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الودّ وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى اللّه تعالى طلب المعاونة على ذلك بقوله :
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً
أي : معينا على الرسالة ولذلك قال عيسى ابن مريم :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
[ آل عمران ، 52 ] وقال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر » « 3 » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد اللّه تعالى بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن نوى خيرا أعانه وإن أراد شرّا كفه » « 4 » وقال أنوشروان : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعلم الملوك عن الوزير . ولما
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1 / 184 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان زهير بن أبي سلمى ص 112 ( طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 264 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 32661 ، 36120 ، وابن كثير في البداية والنهاية 7 / 134 . ( 4 ) أخرجه النسائي في البيعة حديث 4204 .