تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
[ الحج ، 78 ] وقد اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في غيره أوّلها أنه اعتزل عن الخلق على ما قال
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
فلا جرم بارك اللّه له في أولاده فقال :
وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا .
ثانيها : أنه تبرأ من أبيه كما قال عز وجل :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
[ التوبة ، 114 ] لا جرم سماه اللّه أبا المسلمين فقال :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
ثالثها : تلّ ولده للجبين ليذبحه في اللّه على ما قال تعالى :
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
[ الصافات ، 103 ] لا جرم فداه اللّه تعالى على ما قال :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[ الصافات ، 107 ] . رابعها : أسلم نفسه فقال :
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ البقرة ، 131 ] فجعل اللّه تعالى النار بردا وسلاما عليه فقال :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[ الأنبياء ، 69 ] خامسها : أشفق على هذه الأمّة فقال :
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ البقرة ، 129 ] لا جرم أشركه اللّه تعالى في الصلوات في قوله تعالى : « كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم » سادسها : وفي حق سارة في قوله تعالى :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم ، 37 ] لا جرم جعل موطئ قدميه مباركا
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[ البقرة ، 125 ] سابعها : عادى كل الخلق في اللّه فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
فاتخذه اللّه خليلا كما قال :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
[ النساء ، 125 ] ليعلم صحة قولنا ما خير على اللّه أحدا . القصة الرابعة قصة موسى المذكورة في قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
أي : الذي لا كتاب مثله في الكمال
مُوسى
أي : الذي أنقذ اللّه به بني إسرائيل من العبودية ثم إنّ اللّه تعالى وصفه بأمور أحدها قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أي : مختارا اختاره اللّه تعالى واصطفاه وقيل : أخلصه اللّه تعالى من الدنس والباقون بالكسر أي : أخلص التوحيد للّه والعبادة ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل منهما ثابت مقطوع به فجعل اللّه تعالى من صفة موسى كلا الأمرين . ثانيها : قوله تعالى :
وَكانَ رَسُولًا
إلى بني إسرائيل والقبط
نَبِيًّا
ينبئه اللّه بما يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم فيرتفع بذلك قدره فلذلك صرح بها بعد دخولها في الرسالة ضمنا إذ كل رسول نبيّ وليس كل نبيّ رسولا خلافا للمعتزلة فإنهم زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبيّ وكل نبيّ رسول وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء اللّه تعالى في سورة الحج عند قوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
[ الحج ، 52 ] . ثالثها : قوله تعالى :
وَنادَيْناهُ
أي : بما لنا من العظمة
مِنْ جانِبِ الطُّورِ
هو اسم جبل
الْأَيْمَنِ
أي : الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين فأنبأناه هناك حين كان متوجها إلى مصر بأنه رسولنا ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب والإلذاذ بالخطاب من جوف السحاب وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف . رابعها : قوله تعالى
وَقَرَّبْناهُ
بما لنا من العظمة تقريب تشريف حالة كونه
نَجِيًّا
نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين اثنين كالسر وقيل : قرب مكان أي : مكانا عاليا ، عن أبي العالية أنه قرب حتى سمع صرير القلم حيث يكتب التوراة في الألواح ، وقيل : أنجيناه من أعدائه . خامسها : قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ
أي : هبة تليق بعظمتنا
مِنْ رَحْمَتِنا
أي : من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا
أَخاهُ
أي : معاضدة أخيه ومؤازرته لا شخصه وإخوته وذلك إجابة لدعوته
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ
[ طه : 29 ، 30 ] فإنه كان أسن من موسى .