تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
سبحانه وتعالى قد قضى بموت الخلائق أجمعين وأنه تعالى يبقى وحده عبّر عن ذلك بالإرث مقرّرا به مضمون الكلام السابق فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم : إنّ الدهر لا يزال هكذا حياة لناس وموت لآخرين .
إِنَّا نَحْنُ
بعظمتنا التي اقتضت ذلك
نَرِثُ الْأَرْضَ
فلا ندع بها شيئا من عاقل ولا غيره ولما كان العاقل أقوى من غيره صرح به بعد دخوله فقال :
وَمَنْ عَلَيْها
أي : من العقلاء بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم
وَإِلَيْنا
لا إلى غيرنا
يُرْجَعُونَ
فنجازيهم بأعمالهم . القصة الثالثة : قصة إبراهيم المذكورة في قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ
أي : خبره وقرأ هشام إبراهام بألف بعد الهاء والباقون بالياء وإنما أمر اللّه تعالى نبيه بالذكر لذلك ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلده مشتغلين بالتعليم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارا عن الغيب ومعجزا باهرا دالا على نبوّته ، وإنما ذكر الاعتبار بقصة إبراهيم لوجوه : الأوّل : أنّ منكري التوحيد والذين أثبتوا توحيدا ومعبودا سوى اللّه تعالى فريقان منهم من أثبت معبودا غير اللّه تعالى حيا عاقلا وهم النصارى ، ومنهم من أثبت معبودا غير اللّه تعالى جمادا ليس بحيّ ولا عاقل وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال ، إلا أنّ ضلال عبدة الأوثان أعظم فلما بين اللّه تعالى ضلال الفريق الأوّل تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان . الثاني : أنّ إبراهيم كان أبا العرب وكانوا مقرّين بعلوّ شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى :
أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ،
وقال تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة ، 130 ] فكأنه تعالى قال للعرب : إن كنتم مقلدين لأبيكم على قولكم :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
[ الزخرف ، 22 ] فأشرف آبائكم وأعلاهم قدرا هو إبراهيم فقلدوه في ترك عبادة الأصنام والأوثان ، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إمّا تقليدا وإمّا استدلالا . الثالث : أنّ كثيرا من الكفار في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر اللّه تعالى قصة إبراهيم وهو أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ثم قال تعالى في صفة إبراهيم
إِنَّهُ كانَ
جبلة وطبعا
صِدِّيقاً
أي : بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله أي : كان من أوّل وجوده إلى انتهائه موصوفا بالصدق والصيانة وسيأتي الكلام على قوله :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
[ الأنبياء ، 63 ] و
إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات ، 89 ] في محله . ولما كانت مرتبة النبوّة أرفع من مرتبة الصدّيقية قال تعالى :
نَبِيًّا
أي : استنبأه اللّه تعالى ؛ إذ لا رفعة أعلى من رفعة من جعله اللّه واسطة بينه وبين عباده . وقوله تعالى
إِذْ قالَ
بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصدّيقا نبيا أي : كان جامعا لخصائص الصدّيقين والأنبياء حين قال
لِأَبِيهِ
آزر هاديا له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له في كل جملة بقوله :
يا أَبَتِ
والتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وقرأ ابن عامر بفتح التاء في الوصل والباقون بكسرها وأمّا الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون بالتاء ، ثم إنّ اللّه تعالى حكى عنه أيضا : أنه تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام النوع