بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى :
تَفْضِيلًا .
تنبيه : ظاهر الآية يدل على فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل . وقال قوم : فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة . وهو قول ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في بسيطه . وقال الكلبي : فضلوا على جميع الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم . وقال قوم : فضلوا على جميع الخلق وعلى جميع الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كقوله تعالى :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
[ الشعراء ، 221 ] إلى قوله تعالى :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
[ الشعراء ، 222 ] أي : كلهم .
وروى جابر يرفعه قال : « لما خلق اللّه تعالى آدم وذرّيته قالت الملائكة : يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة . فقال تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه روحي كمن قلت له كن فكان » « 1 » . والأولى كما قاله بعض المفسرين كالبغوي وابن عادل أن يقال عوامّ الملائكة أفضل من عوام المؤمنين ، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
[ البينة ، 7 ] . وروي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة عنده . رواه البغوي ورواه الواحدي في بسيطه . فإن قيل : قال تعالى في أوّل الآية :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
وقال في آخرها :
وَفَضَّلْناهُمْ
فلا بدّ من الفرق بين التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار ؟ أجيب : بأنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية كالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم إنه سبحانه وتعالى عرّضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة .
ولما ذكر تعالى أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة بقوله تعالى :
يَوْمَ
أي : اذكر يوم
نَدْعُوا
أي : بتلك العظمة
كُلَّ أُناسٍ
أي : منكم
بِإِمامِهِمْ
الإمام في اللغة كل من ائتمّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبيّ إمام أمّته والخليفة إمام رعيته والقرآن إمام المسلمين ، وإمام القوم هو الذي يقتدون به في الصلاة . وذكروا في تفسير الإمام هنا أقوالا :
أحدها : إمامهم نبيهم . روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « فينادى يوم القيامة يا أمّة إبراهيم يا أمّة موسى يا أمّة عيسى يا أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم ينادي الأتباع يا أتباع ثمود يا أتباع فرعون يا أتباع فلان وفلان من رؤوساء الضلال وأكابر الكفر » « 2 » . الثاني : أنّ إمامهم كتابهم الذي أنزل عليهم فينادى في القيامة يا أهل القرآن ، يا أهل التوراة ، يا أهل الإنجيل . الثالث : إمامهم كتاب أعمالهم قال تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
[ يس 12 ] فسمى اللّه تعالى هذا الكتاب إماما . قال الزمخشري : ومن بدع التفاسير أنّ الإمام جمع أمّ وأنّ الناس يدعون يوم القيامة بأمّهاتهم دون آبائهم وان الحكمة فيه رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا تفتضح أولاد الزنا . قال : وليت شعري أيهما أبدع البدع ؟ ! أصحة لفظه أم بهاء حكمته ! . قال ابن عادل : وهو معذور لأن أمّا لا تجمع على إمام
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 1 / 172 .
( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .