إنما يؤخر إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم ينفخ في الصور لا أنه يؤخر إلى يوم القيامة كما طلب ، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائيّ بادغام الباء الموحدة في الفاء ، وأظهرها الباقون .
ولما حكم تعالى بشقاوته وشقاوة من أراد طاعته له تسبب عنه قوله تعالى :
فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
أي : أولاد آدم عليه السّلام
فَإِنَّ جَهَنَّمَ
أي : الطبقة النارية التي تتجهم داخلها
جَزاؤُكُمْ
أي : جزاؤك وجزاء أتباعك تجزون ذلك
جَزاءً مَوْفُوراً
أي : مكملا وافيا بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة . ولما طلب إبليس اللعين من اللّه تعالى الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم ذكر اللّه تعالى له أشياء الأوّل اذهب ، أي : امض كما مرّ فإني أمهلتك هذه المدّة وليس من الذهاب الذي هو ضدّ المجيء . الثاني : قوله تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ
أي : استخف
مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ
أن تستفزه وهم الذين سلطانك عليهم
بِصَوْتِكَ
قال ابن عباس : معناه بدعائك إلى معصية اللّه وكل داع إلى معصية اللّه تعالى فهو من جند إبليس ، وقيل أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب .
الثالث : قوله تعالى :
وَأَجْلِبْ
أي : صح
عَلَيْهِمْ
من الجبلة وهي الصياح
بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ .
واختلفوا في الخيل والرجل على أقوال الأوّل : روى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : كل راكب أو راجل في معصية اللّه تعالى وعلى هذا فخيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية . الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جيش من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل .
الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما يقال للرجل المجد في الأمر جدّ بالخيل والرجل . قال الرازي : وهذا أقرب . وقال الزمخشري : هو كلام ورد مورد التمثيل مثل في تسلطه على من يغويه بمغوار وقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقلهم عن مراكزهم وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم والخيل تقع على الفرسان قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا خيل اللّه اركبي » « 1 » وقد تقع على الأفراس خاصة . وقرأ حفص عن عاصم بكسر الجيم وسكنها الباقون جمع راجل كصاحب وصحب وراكب وركب ورجل بالكسر والضم لغتان مثل حدث وحدث وهو مفرد أريد به الجمع . الرابع قوله تعالى :
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
أمّا المشاركة في الأموال فقال مجاهد : هو كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام . وقال قتادة : هو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . وقال الضحاك : هو ما يذبحونه لآلهتهم . وقال عكرمة : هو تبتيكهم آذان الأنعام وقيل هو جعلهم من أموالهم شيئا لغير اللّه ، كقولهم :
هذا لِلَّهِ
وَهذا لِشُرَكائِنا
[ الأنعام ، 136 ] ولا منافاة بين جميع هذه الأقوال . وأمّا المشاركة في الأولاد فقال عطاء عن ابن عباس : هو تسمية الأولاد بعبد شمس وعبد العزى وعبد الحرث وعبد الدار ونحوها وقال الحسن : هو أنهم هوّدوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم وروي عن جعفر بن محمد أنّ الشيطان يعقد ذكره على ذكر الرجل فإذا لم يقل بسم اللّه أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها ، كما ينزل الرجل ويقال في جميع هذه الأقوال أيضا ما تقدّم . وروي أنّ رجلا قال لابن عباس : إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال ذلك من وطء الجنّ .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في فتح الباري 7 / 413 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 4363 ، والطبري في تفسيره 6 / 133 ، وابن كثير في تفسيره 3 / 92 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 390 ، 531 ، 532 .