تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
فاقضوا ما أنتم قاضون ، وهذا مثل قول السحرة لفرعون :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
[ طه : 72 ] أي : اعمل ما أنت عامل .
وَلا تُنْظِرُونِ
أي : ولا تؤخرون بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه ، وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلامه وعصمته ، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي : أعرضتم عن تذكيري
فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ
أي : من جعل وعوض على تبليغ الرسالة ، فينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم ، وطلب أجر على عظتكم ، ومتى كان الإنسان فارغا عن الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة ، أي : ما أنصحكم إلا لوجه اللّه تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا . وهكذا ينبغي لكل من ينفع الناس بعلم أو إرشاد إلى طريق اللّه تعالى
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أي : إني مأمور بالاستسلام لكل مكروه يصل إليّ منكم لأجل هذه الدعوة ، وقيل : بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تارك له قبلتموه أو لم تقبلوه .
فَكَذَّبُوهُ
أي : أصرّوا على تكذيبه ، بعدما ألزمهم الحجة ، وبين أن توليتهم ليست إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب
فَنَجَّيْناهُ
من الغرق
وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
أي : السفينة وكانوا ثمانين
وَجَعَلْناهُمْ
أي : الذين أنجيناهم معه في الفلك
خَلائِفَ
في الأرض يخلفون الهالكين بالغرق
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
بالطوفان ، وقوله تعالى :
فَانْظُرْ
أي : أيها الإنسان أو يا محمد
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن مثله وتسلية له ، وهذه القصة إذا سمعها من صدّق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومن كذب به كان زجرا للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح ، وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح ، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدّم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ ، ولهذا الوجه أكثر تعالى ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السّلام .
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ
أي : نوح
رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
لم يسم هنا تعالى من كان بعد نوح من الرسل ، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوت اللّه وسلامه عليهم .
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي : بالمعجزات الواضحات التي تدل على صدقهم .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
أي : فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدّه عنادهم وخذلان اللّه تعالى إياهم
بِما
أي : بسبب ما
كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
أي : أنهم كانوا قبل بعثة الرسل إليهم أهل جاهلية مكذبين بالحق ، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد
كَذلِكَ
أي : مثل ما طبعنا على هؤلاء بسبب تكذيبهم الرسل
نَطْبَعُ
أي : نختم
عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
في كل زمن لكل من تعمد العدول فيما لا يحلّ له ، فلا يقبل الإيمان لانهماكهم في الضلال واتباعهم المألوف . وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة اللّه تعالى وكسب العبد . القصة الثانية : قصة موسى عليه السّلام المذكورة بقوله تعالى :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : هؤلاء الرسل
مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
أي : أشراف قومه وغيرهم تبع لهم ، فهو مرسل إلى الجميع
بِآياتِنا
التسع
فَاسْتَكْبَرُوا
عن اتباعها والإيمان بها ، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبيينها ويتعظموا عن قبولها
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
أي : كفارا ذوي آثام عظام ، فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا عن ردّها .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 35 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين