تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
قال للولد : أنت ومالك لأبيك » « 1 » . وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال : « لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر قال : إنها سيئة الخلق قال : لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين قال : إنها سيئة الخلق . قال : لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها واظمأت لك نهارها ! قال : لقد جازيتها . قال : ما فعلت ؟ قال : حججت بها على عنقي . قال : ما جزيتها » « 2 » . وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمّه ويقول « 3 » :
أنا لها مطية لا تذعر * إذا الركائب نفرت لا تنفر
ما حملت وأرضعتني أكثر * اللّه ربي ذو الجلال الأكبر
تظنني جزيتها يا ابن عمر قال : لا ، واللّه ولا زفرة واحدة « 4 » . ولما كان ما ذكر في حق الوالدين عسرا جدّا يحذر من التهاون به أشار بقوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 25 إلى 38 ]

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ( 28 ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً ( 32 ) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 ) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 ) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 )
رَبُّكُمْ
أي : المحسن إليكم في الحقيقة فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك
أَعْلَمُ
أي : من كل أحد
بِما فِي نُفُوسِكُمْ
من قصد البرّ بهما وغيره ، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن فإنّ ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
أي : متقين محسنين في نفس الأمر والصلاح استقامة الفعل على ما يدعو الدليل إليه . وأشار تعالى إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد كرّة بقوله تعالى :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ
أي : الرجاعين إلى الخير مرّة إثر مرّة بعد جماع أنفسهم عنه
غَفُوراً
أي : بالغ الستر بمن وقع منه تقصير فرجع عنه فإنه مغفور له .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود حديث 3530 ، وابن ماجة حديث 2291 ، 2292 ، وأحمد في المسند 2 / 204 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 480 ، 481 . ( 2 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 767 . ( 3 ) الرجز لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 4 ) ذكره القرشي في مكارم الأخلاق 1 / 78 ، والفاكهي في أخبار مكة 1 / 312 .