تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وذلك أنواع الأوّل أن يشتغل الإنسان بعبادة اللّه تعالى ويتحرّز عن عبادة غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى :
وَقَضى
أي : أمر
رَبُّكَ
أي : المحسن إليك وقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا
أي : أنت وجميع أهل دعوتك وهم جميع الناس
إِلَّا إِيَّاهُ
فيه وجوب عبادة اللّه تعالى والمنع من عبادة غيره لأنّ العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا منعم إلا اللّه تعالى فكان هو المستحق للعبادة لا غيره . تنبيه : روى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ وقضى ربك ثم قال : ولو كان على القضاء ما عصى اللّه أحد قط لأنّ خلاف قضاء اللّه ممتنع وهذا القول كما قاله الرازي بعيد جدّا إذ لو فتح هذا الباب لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين ويندفع ما قاله بما فسر قضى به . ولما أمر تعالى بعبادة نفسه أتبعه بالأمر ببر الوالدين بقوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ
أي : وأحسنوا أي : وأوقعوا الإحسان بهما .
إِحْساناً
أي : بأن تبروهما ليكون اللّه معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . تنبيهان : أحدهما المناسبة بين الأمر بعبادة اللّه تعالى والأمر ببر الوالدين من وجوه الأوّل أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق اللّه تعالى وإيجاده والسبب الظاهر هو الأبوان فأمر اللّه تعالى بتعظيم السبب الحقيقي ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري . الثاني : أنّ الموجود إمّا قديم وإمّا محدث ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الموجود القديم بالتعظيم والعبودية ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه وأحق الخلق بالشفقة الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان » « 1 » فقوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه تعالى . وقوله تعالى :
بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
إشارة إلى الشفقة على خلق اللّه . الثالث : أنّ الاشتغال بشكر المنعم واجب ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى وقد يكون بعض المخلوقين منعما عليك وشكره أيضا واجب لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » « 2 » ، وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل الأبوين لأن الولد قطعة من الوالدين قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « فاطمة بضعة مني » « 3 » وأيضا شفقة الوالدين على الولد عظيمة وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعي أيضا فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة بل هي أكبر من كل نعمة تصل من الإنسان إلى الإنسان وأيضا حال ما يكون الإنسان في غاية الضعف ونهاية العجز يكون إنعام الأبوين في ذلك الوقت واصلا إلى الولد ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه كان موقعه عظيما وأيضا فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فكان الإنعام فيه
هامش
( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 1955 . ( 3 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3714 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 2449 ، وأبو داود في النكاح حديث 2071 ، والترمذي في المناقب حديث 3867 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1998 .