عدل اللّه تعالى ورحمته ، وفي قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
دليل على أنّ الأولى له أن لا يفعل كما أنك إذا قلت للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح كان معناه : أنّ الأولى بك أن لا تأكله فذكر تعالى بطريق الرمز ، والتعريض أنّ الأولى تركه .
المرتبة الثانية : الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله تعالى :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
وهذا تصريح بأنّ الأولى ترك ذلك الانتقام لأنّ الرحمة أفضل من القسوة والانتفاع أفضل من الانتقام . وقرأ لهو قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون برفعها .
المرتبة الثالثة : هو الأمر الجازم بالترك وهو قوله تعالى :
وَاصْبِرْ
لأنه في المرتبة الثانية ذكر أنّ الترك خير وأولى وفي هذه المرتبة الثالثة : صرّح بالأمر بالصبر في هذا المقام . ولما كان الصبر في هذا المقام شديدا شاقا ذكر بعده ما يفيد سهولته بقوله تعالى :
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
أي : الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم فذلك بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي . ثم ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب بقوله سبحانه وتعالى :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
أي : في شدّة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
ولو قل كما لوّح إليه بتنوين التحقير
مِمَّا يَمْكُرُونَ
أي : من استمرار مكرهم بك
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر ، 99 ] وكأنك به وقد أتى فاصبر فإنّ اللّه معزك ومظهر دينك . وقرأ ابن كثير بكسر الضاد والباقون بنصبها .
تنبيه : هذا من الكلام المقلوب لأنّ الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلا في الصفة فكان المعنى : ولا يكن الضيق فيك إلا أنّ الفائدة في قوله تعالى :
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
هو أنّ الضيق إذا عظم وقوي صار كالشئ المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى .
المرتبة الرابعة : قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي : الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه
مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
أي : وجد منهم الخوف من اللّه تعالى واجتنبوا المعاصي
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
في أعمالهم والشفقة على خلقه ، وهذا يجري مجرى التهديد لأنّ في المرتبة الأولى رغبة في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله تعالى :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ .
وفي المرتبة الثالثة : أمر بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة :
كأنه ذكر الوعيد على فعل الانتقام فقال :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
أي : عن استيفاء الزيادة والذين هم محسنون أي : في ترك أصل الانتقام فكأنه تعالى قال : إن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين وهذه المعية بالرحمة والفضل والتربية وفي قوله تعالى :
اتَّقَوْا
إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه ، وفي قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
إشارة إلى الشفقة على خلق اللّه تعالى قيل لهرم بن حيان عند قرب وفاته أوصى فقال : إنّ الوصية في المال ولا مال لي ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل .
تنبيه : قال بعضهم : إنّ قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
إلى
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
منسوخ بآية السيف . قال الرازي : وهذا في غاية البعد ، لأنّ المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوى إلى اللّه تعالى وترك التعدّي وطلب الزيادة ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف . وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من قرأ سورة النحل لم يحاسبه اللّه تعالى بما