تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
أكثرهم كافرون أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله تعالى :
وَيَوْمَ
أي : وخوّفهم يوم أو واذكر لهم يوم
نَبْعَثُ
بعد البعث
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
هو نبيها كما قال تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء ، 41 ] يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان تعالى غنيا عن شهيد . وقوله تعالى :
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى :
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
[ المرسلات ، 36 ] . ثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . ثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف . رابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . فإن قيل : ما معنى ثم ههنا ؟ أجيب : بأنّ معناها أنهم يمتحنون ، أي : يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم السّلام بما هو أطمّ منها وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
أي : لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون ، يقال : استعتبت فلانا بمعنى اعتبته ، أي : أزلت عتباه .
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي
الْعَذابَ
أي : عذاب جهنم بعد الموقف وشهادة الشهداء
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
ذلك العذاب
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي : لا يمهلون . ولما بين تعالى حاصل أمرهم في البعث وما بعده وكان من أهمّ المهمّ أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يرجونهم عطف على ذلك بقوله تعالى :
وَإِذا رَأَى
أي : بالعين يوم القيامة
الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ
أي : الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء من الشياطين وغيرها
قالُوا رَبَّنا
أي : يا من أحسن إلينا وربانا
هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا
أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجبة لضرّهم ثم بينوا المراد بقولهم :
الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا
أي : نعبدهم
مِنْ دُونِكَ
ليقرّبونا إليك فأكرمنا لأجلهم جريا على مناهجهم في الدنيا في الجهل والغباوة فخاف شركاؤهم من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب
فَأَلْقَوْا
أي : الشركاء
إِلَيْهِمُ
أي : المشركين
الْقَوْلَ
أي : بادروا به حتى كان إسراعهم إليه إسراع شيء ثقيل يلقى من علو وأكدوا قولهم فقالوا :
إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ
في جعلنا شركاء أو أنكم عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم كقوله تعالى :
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ
[ مريم ، 82 ] ولا يبعد أن تنطق الأصنام بذلك يومئذ في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم ، 22 ] .
وَأَلْقَوْا
أي : الشركاء
إِلَى اللَّهِ
أي : الملك الأعلى
يَوْمَئِذٍ
أي : يوم القيامة
السَّلَمَ
أي : الاستسلام بحكمه بعد الاستكبار في الدنيا
وَضَلَّ
أي : غاب
عَنْهُمْ
أي : الكفار
ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي : من أنّ آلهتهم تشفع لهم . ولما ذكر تعالى وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضمّ إلى كفره صد الغير عن سبيل اللّه بقوله تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في الإيمان بالله وبرسوله
زِدْناهُمْ عَذاباً
لصدّهم
فَوْقَ الْعَذابِ
المستحق بكفرهم
بِما كانُوا يُفْسِدُونَ
أي : بكونهم مفسدين بصدّهم ، وقيل : زدناهم عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخت يستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر أنّ لكل عقرب ستمائة نقرة في كل نقرة ثلاثمائة قلة من سم ، وقيل : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ثم كرّر سبحانه وتعالى التحذير من ذلك اليوم