تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
التأكيد ، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعمّ ولا تأكيد . الثالث : أنه منصوب على أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك . ولما كان من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق نفى اللّه تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى :
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
أي : وليس لهم نوع استطاعة أصلا . فإن قيل : إنه تعالى قال :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ
فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير العاقل ثم جمع بالواو والنون . وقال :
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
وهو مختص بمن يعقل ؟ أجيب : بأنه عبر عنها ثانيا اعتبارا باعتقادهم أنها آلهة . وفي تفسير قوله تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
وجهان : الأوّل : قال أكثر المفسرين : ولا تشبهوا اللّه بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا شريك من خلقه لأنّ الخلق كلهم عبيده وفي ملكه ، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق ، والرازق بالمرزوق ، والقادر بالعاجز . الثاني : أنّ عبدة الأوثان كانوا يقولون أنّ إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا ، بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هؤلاء الأصنام ، ثم إنّ الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك ، وأولئك الأكابر كانوا يخدمون الملك فكذا ههنا .
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره
يَعْلَمُ
أي : خطأ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له .
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك وقيل معناه : وأنتم لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه الأصنام ولو علمتموه لتركتم عبادتها . ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة الأصنام بسبب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، أكد ذلك بضرب مثل بقوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ
أي : الذي له كمال العلم وتمام القدرة .
مَثَلًا
بالأحرار والعبيد ثم أبدل من مثلا
عَبْداً
وقيده بقوله تعالى :
مَمْلُوكاً
ليخرج الحرّ . لأنّ العبد يطلق على الحرّ بالنسبة إلى اللّه تعالى وقيده بقوله تعالى :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرّية وهذا مثل شركائهم ثم عطف على عبدا قوله :
وَمَنْ
أي : وحرّا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبدا
رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
أي : واسعا طيبا
فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ
دائما وهو معنى قوله تعالى :
سِرًّا وَجَهْراً
أي : يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم إنكارا عليهم بقوله تعالى :
هَلْ يَسْتَوُونَ
أي : هذان الفريقان الممثل بهما لأن المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوّي بين مخلوقين أحدهما حرّ مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوّي بين حجر من صوّان أو غيره وبين اللّه تعالى الذي له القدرة التامّة على كل شيء ، وقيل : ذلك تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق . تنبيه : جواب هل يستوون هو لا يستوون . وقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
قال ابن عباس : الحمد للّه على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد ، وقيل المعنى : أن كل الحمد للّه ، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد لأنها جماد عاجز ، أي : إنما الحمد للّه لا لغيره فيجب على جميع العباد حمد اللّه لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن ، فكأنهم قالوا : نحن نعلم ذلك فقيل :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ
أي : الكفار
لا يَعْلَمُونَ
لكونهم يسوّونه غيره ومن نفى عنه أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال . كان في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ويضيفون نعمه إلى غيره .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 280 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين