تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
عالم مقدس عال عن مشابهة جميع المخلوقات ، ونظير هذه الآية قوله تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم : 21 ، 22 ] . ثم قال تعالى :
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
وهم الكفار
مَثَلُ السَّوْءِ
أي : الصفة السوء بمعنى القبيحة وهي قتلهم البنات مع احتياجهم إليهنّ للنكاح
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
أي : الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا هو ، وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي وغير ذلك من الصفات التي وصف اللّه بها نفسه . وقال ابن عباس : مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا اللّه . فإن قيل : كيف جاء للّه المثل الأعلى مع قوله تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
[ النحل ، 74 ] أجيب : بأنّ المثل الذي يضربه اللّه تعالى حق وصدق والذي يذكره غيره باطل .
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له .
الْحَكِيمُ
الذي لا يوقع شيئا إلا في محله . ولما حكى اللّه تعالى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم بين أنه تعالى يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارا للفضل والرحمة والكرم بقوله تعالى :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ
أي : بسبب كفرهم ومعاصيهم
ما تَرَكَ عَلَيْها
أي : على الأرض وإنما أضمر ذكرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها .
مِنْ دَابَّةٍ
أي : أنّ اللّه تعالى لو أخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض . فإن قيل : اسم الناس جنس يشمل الكل فيدخل في ذلك الأنبياء فيدل على عدم عصمتهم ؟ أجيب : بأنّ ذلك عام مخصوص بقوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ فاطر ، 32 ] فالمذكور في هذه الآية ، إما كل العصاة المستحقين العقاب أو الذين تقدّم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا للّه البنات ، أو جميع الكفار بدليل قوله تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنفال ، 55 ] . وقال قتادة : قد فعل اللّه تعالى ذلك في زمن نوح عليه السّلام فأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح عليه السّلام . روي أنّ أبا هريرة رضي اللّه تعالى عنه سمع رجلا يقول : إنّ الظالم لا يضر إلا نفسه . فقال : بئسما قلت إنّ الحبارى تموت هزالا من ظلم الظالم . وقال ابن مسعود : إنّ الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم ، والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة قاله الجوهريّ . وقيل في معنى الآية : ولو يؤاخذ اللّه الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لانقطع النسل ، ولم توجد الأبناء ولم يبق في الأرض أحد .
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
أي : يمهلهم بفضله وكرمه وحلمه
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي : إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم ،
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً
عنه
وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
أي : لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله اللّه تعالى لهم ولا ينتقصون منه . تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط إحدى الهمزتين مع المدّ والقصر . وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مدّ والباقون بتحقيق الهمزتين . والنوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها اللّه تعالى عنهم قوله :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
لأنفسهم من البنات وأراذل الأحوال والشركاء في الرياسة . ثم وصف اللّه تعالى جراءتهم مع ذلك بقوله تعالى :
وَتَصِفُ
أي : وتقول
أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ
أي : مع ذلك