تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
إليها القصد . وقال :
وَمِنْها
أي : السبيل
جائِرٌ
أي : حائد عن الاستقامة . فإن قيل : هذه الآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى يجب عليه الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار كما قال به المعتزلة لأنه تعالى قال :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ .
وكلمة على للوجوب . قال تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران ، 97 ] أجيب : بأنّ المراد على اللّه تعالى بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح . فإن قيل : لم غير أسلوب الكلام حيث قال في الأوّل :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ .
وفي الثاني :
وَمِنْها جائِرٌ
دون وعليه جائر ؟ أجيب : بأنّ المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض . ثم قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ
هدايتكم
لَهَداكُمْ
إلى قصد السبيل
أَجْمَعِينَ
فتهتدون إليه باختيار منكم . قال الرازي : وهذا يدلّ على أنّ اللّه تعالى ما شاء هداية الكفار وما أراد منهم الإيمان لأنّ كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . ولما ذكر تعالى نعمه على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة عقبه بذكر إنزال المطر لأنه من أعظم النعم على عباده فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 19 ]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 ) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 )
هُوَ
أي : لا غيره مما تدعى فيه الإلهية
الَّذِي أَنْزَلَ
أي : بقدرته الباهرة
مِنَ السَّماءِ
إمّا من نفسها أو من غيرها أو من جهتها أو من السحاب كما هو مشاهد
ماءً
أي : واحدا تحسونه بالذوق والبصر
لَكُمْ مِنْهُ
أي : من ذلك الماء
شَرابٌ
أي : تشربونه وقد بيّن تعالى في آية أخرى أنّ هذه النعمة جليلة فقال :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء ، 30 ] . فإن قيل : ظاهر هذا أنّ شرابنا ليس إلا من المطر ؟ أجيب : بأنه تعالى لم ينف أن يشرب من غيره وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر سكن هناك بدليل قوله في سورة المؤمنون :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
[ المؤمنون ، 18 ] .
وَمِنْهُ
أي : من الماء
شَجَرٌ
أي : ينبت بسببه والشجر هنا كل نبات من الأرض حتى الكلأ وفي الحديث : « لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت » « 1 » يعني الكلأ . فإن قيل : قال المفسرون : في قوله تعالى :
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[ الرحمن ، 6 ] المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق ؟ أجيب : بأن عطف الجنس على النوع وبالضدّ مشهور وأيضا فلفظ الشجر يشعر بالاختلاط
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 734 .