تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
عن لا إله إلا اللّه . وقال أبو العالية : يسألون عما كانوا يعبدون وما أجابوا به المرسلين . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
وبين قوله تعالى :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن ، 39 ] ؟ أجيب : بأنّ النفي ينصرف إلى بعض الأوقات والإثبات إلى وقت آخر لأنّ يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف يسألون في بعضها ولا يسألون في بعض آخر . ونظيره قوله تعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ
[ المرسلات ، 35 ] . وقال في آية أخرى :
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
[ الزمر ، 31 ] . ثم قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَاصْدَعْ
أي : اجهر بعلو وشدّة فارقا بين الحق والباطل . وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد الساكنة قبل الدال والباقون بالصاد الخالصة .
بِما
أي : بسبب ما
تُؤْمَرُ
به . أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية بإظهار الدعوة . روي عن عبد اللّه بن عبيدة قال : كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه .
وَأَعْرِضْ
أي : إعراض من لا يبالي
عَنِ الْمُشْرِكِينَ
بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة . قال بعض المفسرين كالبغوي : وهذا منسوخ بآية القتال ، قال الرازي : وهو ضعيف لأنّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا . ولما كان هذا الصدع في غاية الشدّة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم لكثرة ما يلقى عليه من الأذى خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله معللا له :
إِنَّا
أي : بما لنا من العظمة والقدرة
كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
أي : شرّ الذين هم عريقون في الاستهزاء وهم خمسة نفر من رؤوساء قريش الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، وعدي بن قيس ، والأسود بن عبد المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، ووصف سبحانه وتعالى هؤلاء بقوله تعالى :
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
وقيل : ليس بصفة بل مبتدأ ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
أي : عاقبة أمرهم في الدارين . ولما ذكر سبحانه وتعالى أنّ قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون قال له تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أي : نحقق وقوع علمنا
أَنَّكَ
أي : على ما لك من الحلم وسعة البطان
يَضِيقُ صَدْرُكَ
أي : يوجد ضيقه ويتجدد
بِما يَقُولُونَ
أي : من الاستهزاء والتكذيب بك وبالقرآن لأنّ الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال تعالى :
فَسَبِّحْ
ملتبسا
بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي : نزهه عن صفات النقص . وقال الضحاك : قل سبحان اللّه وبحمده . وقال ابن عباس : فصلّ بأمر ربك .
وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
أي : من المصلين . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » « 1 » . وقدّمت معناه في سورة البقرة . تنبيه : اختلف الناس كيف صار الإقبال على الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن فقال العارفون المحققون : إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات يتنوّر باطنه ويشرق عليه وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها . وقال بعض الحكماء : إذا نزل بالإنسان بعض المكاره ففزع إلى الطاعات فكأنه يقول : يا رب يجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات فأنا عبدك بين يديك فافعل بي ما تشاء .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 1319 ، وأحمد في المسند 5 / 388 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 67 .