تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
[ هود : 6 ] فغلب من يعقل على غيره . حكي أنّ الماء قد قلّ في بعض الأودية والجبال واشتدّ الحرّ قال بعضهم : فرأيت بعض تلك الوحوش رفعت رؤوسها إلى السماء عند اشتداد عطشها قال : فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت وامتلأت الأودية . تنبيه : قيل لا يجوز أن يكون و
مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ
مجرورا عطفا على الضمير لا يقال : أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كما في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب ، 7 ] والراجح الجواز كما قرئ قوله تعالى :
تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
[ النساء ، 1 ] بالخفض في القراءات السبع وهذا أعظم دليل . ولما بين سبحانه وتعالى أنه أنبت لهم كل شيء موزون وجعل لهم معايش أشعر بذكر ما هو السبب لذلك فقال تعالى :
وَإِنْ ،
أي : وما
مِنْ شَيْءٍ ،
أي : مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة وهي لا نهاية لها .
إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ،
أي : قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عند جدّه قال : في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه في البحر والبرّ والخزائن جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه للحفظ . وقيل : أراد مفاتيح الخزائن ، وقيل : المطر لأنه سبب الأرزاق لبني آدم والوحش والطير والدواب ومعنى عندنا ، أي : في حكمه تعالى وتصرّفه وأمره وتدبيره
وَما نُنَزِّلُهُ
من يفاع القدرة
إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ،
أي : على حسب المصالح وقيل : إنّ لكل أرض حدّا ومقدارا من المطر يقال : لا ينزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء اللّه . ولما أتم ما أراد من آيتي السماء والأرض وختمه بشمول قدرته لكل شيء أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعا في خزائن قدرته بقوله تعالى :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ
جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجوّ سريع الممر
لَواقِحَ ،
أي : حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي لاقحة ، يقال : ناقة لاقحة إذا حملت الولد . وقال ابن مسعود : يرسل اللّه تعالى الريح فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمرّ به فتدرّ كما تدر اللقحة ثم تمطر . وقال عبيد بن عمير : يبعث اللّه تعالى الريح المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث اللّه المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ثم يبعث اللّه اللواقح تلقح الشجر . وعن ابن عباس قال : ما هبت ريح قط إلا جثا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على ركبتيه وقال : « اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها ريحا » « 1 » . وعن عائشة رضي اللّه عنها « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا عصفت الريح قال : اللهمّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به » « 2 » . وقرأ حمزة بالإفراد والباقون بالجمع .
فَأَنْزَلْنا ،
أي : بعظمتنا بسبب تلك السحاب التي حملتها الريح
مِنَ السَّماءِ ،
أي : الحقيقية أو جهتها أو السحاب لأنّ الأسباب المترقبة يسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد
ماءً
وهو جسم مائع سيال به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء
فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ،
أي : جعلناه لكم سقيا ، يقال : سقيته ماء يشربه وأسقيته ، أي : مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد ، ونفى سبحانه وتعالى
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 / 165 ، 4 / 51 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 1519 ، والطبراني في المعجم الكبير 11 / 214 ، والبغوي في شرح السنة 4 / 393 ، والنووي في الأذكار النووية 163 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الاستسقاء حديث 899 ، والترمذي في الدعوات حديث 3449 .