تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[ الحج ، 47 ] ثم يجيبهم بقوله :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ .
فلما أيسوا مما عنده ، قال بعضهم لبعض ذلك . ولما ذكر تعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤوساء والأتباع من كفرة الإنس أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه بقوله تعالى :
وَقالَ الشَّيْطانُ
الذي هو أوّل المتبوعين في الضلال ورأس المضلين والمستكبرين
لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ،
أي : أحكم وفرغ منه ، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه وتوبيخه ، فيقوم فيهم خطيبا . قال مقاتل : يوضع له منبر من نار ، فيجتمع أهل النار إليه يلومونه ، فيقول لهم ما أخبر اللّه تعالى بقوله :
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ،
أي : بالبعث والجزاء على الأعمال فصدقكم
وَوَعَدْتُكُمْ ،
أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب
فَأَخْلَفْتُكُمْ ،
أي : الوعد ، فلم أقل شيئا إلا كان زيفا ، فاتبعتموني مع كوني عدوّكم ، وتركتم ربكم وهو وليكم . تنبيه : في الآية إضمار من وجهين : الأوّل : أنّ التقدير : إنّ اللّه وعدكم الحق فصدقكم كما تقدّم تقريره ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد لأنهم كانوا يشاهدونها ، وليس وراء العيان بيان ؛ ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف ، فدل ذلك على الصدق في وعد اللّه تعالى . الثاني : أنّ قوله :
وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ
الوعد يقتضي مفعولا ثانيا ، وحذف هذا للعلم به ، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ، ولا حشر ولا حساب كما تقرّر ، ولما بين غروره بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ،
أي : سلطان ، فمن مزيدة ، أي : قوّة وقدرة أقهركم على الكفر والمعاصي ، وألجئكم على متابعتي وقوله :
إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ
استثناء منقطع ، قال النحويون : لأنّ الدعاء ليس من جنس السلطان ، فمعناه : لكن دعوتكم
فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
محكمين الشهوات ؛ لأنّ النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ، ولا يتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية واللّه يدعو إليها يرغب فيها كما قال :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى .
قال الرازي : وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا ههنا استثناء حقيقي ، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر والقسر ، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه ، فهذا نوع من أنواع التسليط اه . ثم قال لهم :
فَلا تَلُومُونِي ،
أي : لأنه ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة
وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ؛
لأنكم سمعتم دلائل اللّه تعالى وجاءتكم الرسل ، فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفتوا إليّ ، ولا تسمعوا قولي ، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا دليل . فإن قيل : لم قال الشيطان :
فَلا تَلُومُونِي
وهو ملوم بسبب إقدامه على تلك الحالة والوسوسة الباطلة ؟ أجيب : بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا أنفسكم عليه ؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية اللّه تعالى لكم . ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال :
ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ،
أي : بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب ، فأزيل صراخكم منه .
وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ،
أي : بمغيثيّ فيما يخصني منه . وقرأ ما عدا حمزة بفتح الياء مع التشديد ، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد على الأصل في التقاء الساكنين ؛ لأنّ ياء الإعراب ساكنة ، وياء المتكلم