تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
البئر ودلوتها إذا أخرجتها ، والدلو معروف والجمع الدلاء فلما أرسلها تعلق بالحبل يوسف عليه السّلام فلما خرج فإذا هو بغلام أحسن ما يكون قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعطي يوسف شطر الحسن » « 1 » . ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة ، وكانت جدّته قد أعطيت سدس الحسن قال ابن إسحاق : ذهب يوسف وأمّه بثلثي الحسن . وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال : كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرّة ، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه ، وإذا تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه ، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل ، وكان يشبه آدم عليه السّلام يوم خلقه اللّه وصوّره قبل أن يصيب الخطيئة ، فلما رآه مالك بن ذعر
قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ
نادى البشرى بشارة لنفسه ، كأنّه قال تعالى فهذا أوانك . وعن الأعمش أنه قال : دعا امرأة اسمها بشرى فقال : يا بشرى . وعن السدي أنّ المدلي نادى صاحبه وكان اسمه بشرى فقال : يا بشرى . كما قرأه حمزة وعاصم والكسائي ، فإنهم قرؤوا بحذف الياء بعد الألف ، والباقون بإثبات الياء . وقيل : ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك . وروي أنّ جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها واختلف في ضمير
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً
إلى من يعود ؟ وفيه قولان : الأوّل : أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه بالجب ، وذلك أنهم قالوا : إن قلنا للسيارة : التقطناه شاركونا ، وإن قلنا : اشتريناه سألونا الشركة فالأصوب أن نقول : إنّ أهلا لنا جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر . والثاني : ونقل عن ابن عباس أنه قال : وأسرّوه يعني إخوة يوسف أسرّوا شأنه ، وذلك أنّ يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم فلم يجده في البئر فأخبر إخوته فطلبوه ، فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا : هذا عبد لنا أبق منا وتابعهم يوسف على ذلك ؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية . قال الرازي : والأوّل أولى ؛ لأنّ قوله :
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً
يدل على أنّ المراد أنهم أسرّوه حال ما حكموا بأنه بضاعة ، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف . تنبيه : البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته . قال الزجاج : وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال : وأسرّوه حال ما جعلوه بضاعة ولما جعل تعالى هذا البلاء سببا لوصوله إلى مصر ، ثم صارت وقائعه إلى أن صار ملكا بمصر ، وحصل ذلك الذي رآه في النوم ، فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيّره اللّه تعالى سببا لحصول ذلك المطلوب ، فلهذا المعنى قال تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ ،
أي : بالغ العلم
بِما يَعْمَلُونَ ،
أي : لم يخف عليه ما فعلوه بيوسف وأبيهم .
وَشَرَوْهُ ،
أي : باعوه إذ قد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال : شريت الشيء بمعنى : بعته وإنما حمل هذا الشراء على البيع ؛ لأنّ الضمير في
شَرَوْهُ
وفي
كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
يرجع
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 286 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 160 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 32400 .