وإجماع المفسرين وقوله تعالى :
كُونُوا
ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وإنهم صاروا كذلك كما أراد بهم .
فَجَعَلْناها
أي : تلك العقوبة
نَكالًا
أي : عبرة تنكل المعتبر بها أي : تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها
أي : للأمم التي في زمانها وبعدها أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
اللّه من قومهم أو لكل متق سمعها وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم .
وَ
اذكر
إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
قرأ أبو عمرو بسكون الراء . وروي عن الدوري اختلاس الحركة ، والباقون بالحركة الكاملة ، والحركة ضمة
أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
أوّل هذه القصة قوله تعالى :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها
[ البقرة ، 72 ] وإنما فكت عنه وقدّمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال وقصته أنه كان فيهم رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ببابها ثم أصبح يطلب ديته وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل فسألهم فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ، قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ليدعو اللّه ليبيّن لهم بدعائه فدعا فأمرهم اللّه تعالى بذبح بقرة ويضربوا القتيل ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فقال موسى : إنّ اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
أي : أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ، وإنما قالوا ذلك استبعادا لما قاله واستخفافا به ، قرأ حمزة بسكون الزاي في الوصل وإذا وقف قال : هزوا بنصب الزاي من غير همز ، وروي عنه الإدغام ، وهو أن يشدّد الزاي ، وقرأ حفص هزوا بضم الزاي بعدها واو مفتوحة وقفا ووصلا والباقون بضم الزاي بعدها همزة مفتوحة
قالَ أَعُوذُ
أي : أمتنع
بِاللَّهِ
من
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
لأنّ الهزء في مثل ذلك جهل وسفه ، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا له فلما علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من اللّه استوصفوه ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم وكان تحته حكمة وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة وقال : اللهمّ إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر ، ومات الرجل فسارت العجلة في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته فكان يقسم الليل أثلاثا يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمّه ثلثا فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء اللّه ثم يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه فقالت له أمّه يوما : إنّ أباك ورثك عجلة استودعها اللّه في غيضة كذا فانطلق وادع اللّه إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها ، وكانت تلك البقرة تسمى الذهبية لحسنها وصفرتها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى إليه حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن اللّه وقالت : أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك ، فقال الفتى : إنّ أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت : خذ بعنقها ، فقالت البقرة : بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا فانطلق فإنك لو أمرت