تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 746

مساهمون:

ص٧٤٦
يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه لأستغفرنّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه » « 1 » فأنزل اللّه تعالى
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
أي : بأن ماتوا على الكفر قال البيضاوي : وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه الكافر فقال :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
أي : وعدها إبراهيم أباه بقوله : لأستغفرنّ لك أي : لأطلبنّ مغفرة لك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب أي : يقطع ويمحو ما قبله ، وقرأ هشام : أبراهام بالألف بعد الهاء في الموضعين ، والباقون بالياء فيهما
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
بأن مات على الكفر أو أوحى اللّه تعالى إليه إنه لن يؤمن
تَبَرَّأَ مِنْهُ
أي : قطع استغفاره
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ
أي : كثير التضرع والدعاء
حَلِيمٌ
أي : صبور على الأذى والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً
أي : يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم المنهي عنه
بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ
للإسلام
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ
بيانا شافيا لداء العمى
ما يَتَّقُونَ
أي : ما يجب اتقاؤه للنهي ، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه ، وقيل : إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك ، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أي : بالغ العلم فهو يبيّن لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه تعالى فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى .
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم أو يضرّكم
يُحْيِي وَيُمِيتُ
أي : يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده
وَما لَكُمْ
أيها الناس
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
مِنْ وَلِيٍّ
يحفظكم منه
وَلا نَصِيرٍ
يمنع عنكم ضرره .
لَقَدْ تابَ اللَّهُ
أي : أدام توبته
عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
وافتتح اللّه تعالى الكلام بذكر توبة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه كان سبب توبتهم فذكره معهم كقوله تعالى :
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
[ الأنفال ، 41 ] ونحوه ، وقيل : هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
[ النور ، 31 ] إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده . فائدة : اتفق القرّاء على إدغام دال قد في التاء .
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
أي : في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدّة فكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء . قال الحسن : كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه ، انظر الحاشية السابقة .