تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ترغيبا في التوبة ثم زاد تأكيدا بقوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أي : وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن اللّه يقبلها من عبده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما من عبد مؤمن يتصدّق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل اللّه إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى أنّ اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم ، ثم قرأ :
أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ »
« 1 » .
وَقُلِ اعْمَلُوا
أي : وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
فإنه لا يخفى عليه شيء خيرا كان أو شرّا ، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال : اجتهدوا في العمل في المستقبل فإنّ اللّه تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها
وَ
يرى أيضا
رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
أعمالكم ، أما رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فبإطلاع اللّه إياه على أعمالكم ، وأما رؤية المؤمنين فيقذف اللّه تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين
وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي : وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سرّكم وعلانيتكم ولا يخفى عليه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم
فَيُنَبِّئُكُمْ
أي : فيخبركم
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم . واعلم أن اللّه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام : أوّلهم : المنافقون الذين مردوا على النفاق . والثاني : التائبون وهم المرادون بقوله تعالى :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
وبين أنه تعالى قبل توبتهم . والقسم الثالث : الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى :
وَآخَرُونَ
أي : من المتخلفين
مُرْجَوْنَ
أي : مؤخرون عن التوبة . وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو ، والباقون بهمزة مضمومة بين الجيم والواو
لِأَمْرِ اللَّهِ
أي : لحكم اللّه تعالى فيهم ، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
تخلفوا كسلا وميلا إلى الراحة لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ
بأن يميتهم من غير توبة
وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
إن تابوا . فإن قيل : كلمة أما وإمّا للشك واللّه تعالى منزه عن ذلك . أجيب : بأن الترديد بالنسبة للعباد أي : ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء فإنّ اللّه تعالى لا تخفى عليه خافية وفي هذا دليل على أنّ كلا الأمرين بإرادة اللّه تعالى
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بأحوال عباده
حَكِيمٌ
فيما يفعل بهم . ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً
قال ابن عباس رضي اللّه عنه : وهم اثنا عشر رجلا من المنافقين
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي في الزكاة حديث 1675 ، ومالك في الصدقة حديث 1 ، وأحمد في المسند 2 / 331 ، و 382 ، و 418 ، و 419 ، و 431 ، و 471 ، و 538 ، و 541 ، و 6 / 251 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 738 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين