تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
بالسيف بعد خروجك والمستضعفين ، فنفى تعالى في الآية أنه لا يعذبهم ما دام الرسول والمؤمنون فيهم ، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم إذا خرجوا من بينهم ، وقال الحسن : الآية الأولى منسوخة بهذه ، وردّ بأنّ الأخبار لا يدخلها النسخ ، واختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل : يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذي نفي عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بيّن تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال :
وَهُمْ يَصُدُّونَ
أي : يمنعون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
أن يطوفوا به وذلك عام الحديبية ، ونبه تعالى على أنهم يصدّونهم لادعائهم أنهم أولياؤه ، فكانوا يقولون : نحن ولاة البيت والحرم ، فنصد من نشاء وندخل من نشاء ، ثم بيّن تعالى بطلان هذه الدعوى بقوله تعالى :
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
كما زعموا
إِنْ
أي : ما
أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
أي : الذين يتحرّزون عن المنكرات الذين لا يعبدون فيه غيره ، وقيل : الضميران للّه
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
أي : الناس
لا يَعْلَمُونَ
أن لا ولاية لهم عليه وكأنه نبه بالأكثر على أنّ منهم من يعلم ويعاند ، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم .
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
أي : دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة ، أو ما يضعون موضعها
إِلَّا مُكاءً
أي : صفيرا
وَتَصْدِيَةً
أي : تصفيقا ، قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون . وقال مجاهد : كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الطواف ويستهزؤون به ، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون ، ويخلطون عليه طوافه وصلاته ، فالمكاء جعل الأصابع في الشدق ، والتصدية الصفير ، وقال مقاتل : كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دخل المسجد الحرام قام رجلان عن يمينه ورجلان عن يساره يصفران ويصفقان ليخلطوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاته
فَذُوقُوا الْعَذابَ
أي : عذاب القتل والأسر ببدر في الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة
بِما
أي : بسبب ما
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
اعتقادا وعملا . ولما ذكر تعالى عبادة الكفار البدنية ، وهي المكاء والتصدية ، ذكر عقبه عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
في حرب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي :