تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
[ إبراهيم ، 34 ] فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله :
تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
عظم الخوف وحينئذ يحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف ، وعنده يكمل الإيمان كما قال عليه الصلاة والسّلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » « 1 » وهذا جرى عليه بعضهم في حالة الصحة ، فيكون الخوف والرجاء مستويان . والذي جرى عليه الغزالي وهو التحقيق أنه إن قوي رجاؤه يقوى جانب الخوف والعكس بالعكس ، وأما حال المرض فيكون جانب الرجاء أرجح ، وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على شاب وهو في الموت فقال : « كيف تجدك » ؟ قال : أرجو اللّه يا رسول اللّه وإني أخاف ذنوبي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه اللّه ما يرجو وأمنه مما يخاف » « 2 »
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
أي : ومتكلما كلاما فوق السر ودون الجهر أي : قصدا بينهما ، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص
بِالْغُدُوِّ
جمع غدوة ، وقيل : إنه مصدر
وَالْآصالِ
جمع أصيل ، وهو ما بين صلاة العصر إلى الغروب ، وإنما خص هذين الوقتين بالذكر ؛ لأنّ الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو آخر الموت إلى اليقظة التي هي كالحياة فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم ، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أوّل أعماله ذكر اللّه تعالى ، وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب الذكر ؛ لأنها حالة تشبه الموت ، ولعله لا يقوم من تلك النومة ، فيكون موته على ذكر اللّه تعالى ، وهو المراد من قوله تعالى :
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
عن ذكر اللّه . وقيل : إنما خصا بالذكر ؛ لأنّ الصلاة بعد صلاة الصبح ، وبعد صلاة العصر مكروهة ، واستحب للعبد أن يذكر اللّه تعالى فيهما ليكون في جميع أوقاته مشتغلا بما يقرّبه إلى اللّه تعالى من صلاة وذكر ، وقيل : إنّ أعمال العباد تصعد أوّل النهار وآخره ، فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر ، ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى الغروب ، فاستحب له الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله بالذكر وختامه بالذكر .
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
أي : الملائكة المقرّبين بالفضل والكرامة
لا يَسْتَكْبِرُونَ
أي : لا يتكبرون
عَنْ عِبادَتِهِ
لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه
وَيُسَبِّحُونَهُ
أي : وينزهونه عن جميع النقائص ، ويقولون : سبحان اللّه ربنا
وَلَهُ يَسْجُدُونَ
أي : ويخضعون له بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره ، وفي هذا إشارة إلى أنّ الأعمال تنقسم إلى قسمين : أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، فأعمال القلوب هي تنزيه اللّه تعالى عن كل ما سواه ، وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله :
وَيُسَبِّحُونَهُ
وعبر عن أعمال الجوارح بقوله :
وَلَهُ يَسْجُدُونَ
ليوافق الملائكة المقرّبين في عبادتهم ، وعن معدان قال : سألت ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قلت : حدّثني حديثا ينفعني اللّه به قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما من عبد يسجد للّه سجدة إلا رفعه اللّه بها درجة وحط عنه بها خطيئة » « 3 » ، وفي رواية قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « عليك بكثرة السجود للّه فإنك لا تسجد
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 133 ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة 296 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الجنائز حديث 983 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4261 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الصلاة حديث 388 ، والنسائي في التطبيق حديث 1139 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1423 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 630 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين