بها ، وقال سفيان بن عيينة : سأمنعهم فهم القرآن ، وقوله تعالى :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
صلة يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل فإن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فإن للمحق أن يتكبر على المبطل وفي الكلام المشهور : التكبر على المتكبر صدقة
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ
أي : منزلة أو معجزة
لا يُؤْمِنُوا بِها
أي : لعنادهم وتكبرهم
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ
أي : طريق
الرُّشْدِ
أي : الهدى الذي جاء من عند اللّه
لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
أي : طريقا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد بل إن سلكوه فعن غير قصد . وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء والشين والباقون بضمّ الراء وسكون الشين
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ
أي : الضلال
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
أي : بغاية الشهوة والتعمد والاعتماد لسلوكه
ذلِكَ
أي : هذا الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرسالة
بِأَنَّهُمْ
أي : بسبب أنهم
كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي : الدالة على وحدانيتنا
وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ
أي :
كان دأبهم وديدنهم معاملتهم إيانا بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم ، وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت عليهم بركة الوحي » « 1 » .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ
أي : وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة التي هي موعد الثواب فهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد اللّه في الدار الآخرة
حَبِطَتْ
أي : بطلت
أَعْمالُهُمْ
أي : ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ثواب لهم لعدم شرطه
هَلْ
أي : ما
يُجْزَوْنَ إِلَّا
جزاء
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : من التكذيب والمعاصي .
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ
أي : بعد ذهابه إلى المناجاة
مِنْ حُلِيِّهِمْ
أي : الذي استعاروه من القبط بسبب عرس فبقي عندهم .
فإن قيل : كيف قال : من حليهم وكان معهم معارا ؟ أجيب : بأنه لما أهلك اللّه تعالى قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
[ الدخان ، الآيات : 25 - 28 ] وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بضمها
عِجْلًا
أي :
صاغه لهم منه السامري وقوله تعالى :
جَسَداً
بدل منه أي : صار جسدا ذا لحم ودم
لَهُ خُوارٌ
أي : صوت البقر .
روي أنّ السامريّ لما صاغ العجل ألقى في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السّلام يوم قطع البحر فصار حيا له خوار ، وقيل : صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح جوفه ويصوت .
وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأنّ المراد اتخاذهم إياه إلها ، وقيل : إنه ما خار إلا مرّة واحدة ، وقيل : إنه كان يخور كثيرا فإذا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم ، وقال وهب : كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرّك ، قال السدي : كان يخور ويمشي .
وقوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا
تقريع على فرط ضلالهم
هامش
( 1 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 6070 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 112 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 302 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4 / 515 .