تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
للأصحاء
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
فكل فرقة منهم تخالف الأخرى فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم .
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
أي : كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من اللّه تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس ، وقيل : خالفوا حكم التوراة فبعث اللّه عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط اللّه عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط اللّه عليهم المجوس ثم أفسدوا فسلط اللّه عليهم المسلمين وقيل : كلما حاربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصر عليهم ، وعن قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
أي : ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
أي : فلا يجازيهم إلا شرا .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا
أي : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به
وَاتَّقَوْا
أي : الكفر
لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
أي : التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها
وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
مع المسلمين ، وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم ودلالة على سعة رحمة اللّه تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى وإنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ ، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
أي : أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
أي : من الكتب المنزلة
مِنْ رَبِّهِمْ
لأنهم مكلّفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل : هو القرآن وقوله تعالى :
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
عبارة عن التوسعة أي : لوسّع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو أن تكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلّة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم بين سبحانه وتعالى بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين
مِنْهُمْ أُمَّةٌ
أي : جماعة
مُقْتَصِدَةٌ
أي : عادلة غير غالية ولا مقصّرة وهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل : متوسطة في عداوته
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ
أي : بئس
ما
أي : شيئا
يَعْمَلُونَ
فيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل : هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم . روى مسروق عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : من حدثك أنّ محمدا كتم شيئا مما أنزل اللّه فقد كذب وهو يقول :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
جميع
ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
أي : لا تكتم شيئا منه خوفا أن تنال بمكروه
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
أي : وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك
فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
أي : لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها أي : ولأنّ بعضها ليس بالأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل : نزلت في عتب اليهود وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دعاهم إلى الإسلام فقالوا : أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون : تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى حنانا ! فلما رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك نزلت هذه الآية وقيل : نزلت في الجهاد وذلك أنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحيانا عن حثهم على الجهاد وقيل : لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ