تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
في جيب درعها ، فحملت به فأضيف إلى اللّه تعالى تشريفا له ، وليس كما زعمتم أنه ابن اللّه ، أو إله معه ، أو ثالث ثلاثة ؛ لأنّ الروح مركب ، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، وأنّ عيسى عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق أدخله اللّه الجنة على ما كان من العمل » « 1 »
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
أي : عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض
وَلا تَقُولُوا
كما قالت النصارى : الآلهة
ثَلاثَةٌ
اللّه وعيسى وأمه ، قال تعالى :
انْتَهُوا
عن ذلك وائتوا
خَيْراً لَكُمْ
من ذلك وهو التوحيد
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
أي : لا تعدّد فيه بوجه مّا
سُبْحانَهُ
تنزيها له
أَنْ
أي : عن أن
يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
أي : كما قلتم أيها النصارى ، فإنّ ذلك يقتضي الحاجة ويقتضي التركيب والمجانسة ، ثم علل ذلك بقوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
خلقا وملكا ، فلا يتصوّر أن يحتاج إلى شيء منهما ، ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءا منه وولدا له ؛ لأنّ الملكية تنافي البنوة ، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
أي : يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء ، فهو غني عن الولد ، فإنّ الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه ، واللّه سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه . روي أنّ وفد نجران قالوا : يا رسول اللّه لم تعيب صاحبنا ؟ قال : « ومن صاحبكم ؟ » قالوا : عيسى قال : « وأيّ شيء أقول ؟ » قالوا : تقول إنه عبد اللّه قال : « إنه ليس بعار أن يكون عبدا للّه » قالوا : بلى ، فنزل قوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ »
أي : يتكبر ويأنف
الْمَسِيحُ
أي : الذي زعمتم إنه إله
أَنْ
أي : عن أن
يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
فإنّ عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أي : عند اللّه عطف على المسيح أي : ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا للّه ، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات اللّه كما ردّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم ، فلا حجة فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلا بأنّ المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه . قال الطيبي : وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد ، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية ، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما ردّ على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي اه . أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي ، قال : لأن الملائكة أعجب خلقا من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة والسّلام أيضا أو في القوّة ؛ لأنهم أقوى من عيسى ؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرّة
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
أي : يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب : الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه
فَسَيَحْشُرُهُمْ
أي : المستكبرين وغيرهم
إِلَيْهِ جَمِيعاً
في الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
تصديقا لإقرارهم بالإيمان
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ
أي :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3435 ، ومسلم في الإيمان حديث 28 .