تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع » « 1 »
وَلا تُظْلَمُونَ
أي : تنقصون من أعمالكم
فَتِيلًا
أي : قدر ما يكون في شق النواة كما مرّ عن عكرمة . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب ، ونزل في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
[ آل عمران ، 156 ] .
أَيْنَ ما تَكُونُوا
أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم
يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
أي : فإنه طالب لا يفوته هارب . واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما مقطوعة من أين ومنهم من وصلها
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ
أي : حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم داخل برج
مُشَيَّدَةٍ
أي : مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا القتال خوف الموت . ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه
وَإِنْ تُصِبْهُمْ
أي : اليهود
حَسَنَةٌ
أي : خصب ورخص في السعر
يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
لنا لا مدخل لك فيها
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
أي : جدب وغلاء في الأسعار
يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
أي : من شؤم محمد وأصحابه وقيل : المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر ، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد ، يقولون : هذه من عندك أي : أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول المنافقين
قُلْ
لهم يا محمد
كُلٌّ
أي : الحسنة والسيئة
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
ثم عيرهم بالجهل فقال :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ
أي : اليهود أو المنافقين
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ
أي : لا يقاربون أن يفهموا
حَدِيثاً
يوعظون به وهو القرآن ؛ لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أنّ الكل من عند اللّه ، أو حديثا ما يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم ، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه .
ما أَصابَكَ
أي : أيها الإنسان
مِنْ حَسَنَةٍ
أي : نعمة دنيوية أو أخروية
فَمِنَ اللَّهِ
أتتك تفضلا منه والإيمان أحسن المحسنات ، قال الإمام : إنهم اتفقوا على أنّ قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
[ فصلت ، 33 ] المراد به كلمة الشهادة
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
أي : بلية وأمر تكرهه
فَمِنْ نَفْسِكَ
أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وبين قوله
فَمِنْ نَفْسِكَ ؟
أجيب : بأنّ قوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي : الخصب والجذب والنصر والهزيمة كلها من عند اللّه وقوله :
فَمِنْ نَفْسِكَ
أي : ما أصابك من سيئة من اللّه فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى ، 30 ] ، وقيل : إنّ هذه الآية متصلة بما قبلها ، والقول فيه مضمر تقديره : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَأَرْسَلْناكَ
يا محمد
لِلنَّاسِ
أي : كافة وقوله تعالى :
رَسُولًا
حال قصد بها التأكيد
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
على إرسالك بنصب المعجزات ، ولما قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أطاعني فقد أطاع اللّه ومن أحبني فقد أحب اللّه » فقال بعض المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم » « 2 » نزل .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2858 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4108 . ( 2 ) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف 12 / 212 ، وابن حجر في فتح الباري 9 / 348 ، 13 / 254 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 14808 ، 14854 ، 32973 .