تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
التحتية ، والباقون بالنون . وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء بالعطف على محل فهو ، والباقون بالرفع على الاستئناف . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم بباطن الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه . ولما منع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين من التصدّق على فقراء المشركين ، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
أي : لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها ، وإنما عليك الإرشاد والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث . وقوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
أي : هداية التوفيق صريح بأنّ الهداية من اللّه وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم ، أما هدى البيان فكان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأعطوهم بعد نزول الآية
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
أي : من مال . وقوله تعالى :
فَلِأَنْفُسِكُمْ
خبر لمبتدأ محذوف أي : فهي لأنفسكم ؛ لأنّ ثوابه لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث . وقوله تعالى :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
عطف على ما قبله أي : وليس نفقتكم إلا ابتغاء وجه اللّه ، ولطلب ما عنده ، فما لكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى اللّه تعالى
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
ثوابه أضعافا مضاعفة ، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجلها ، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من خير فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا » « 1 » رواه البخاري .
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
أي : لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا تفضلا من اللّه تعالى عليكم ، وهذا في صدقة التطوّع أباح اللّه تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة وقيل : حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها فنزلت . وروى النسائي والحاكم أنّ ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع ، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت . وعن بعض العلماء : لو كان المنفق عليه أشر خلق اللّه كان لك ثواب نفقتك . وأمّا الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل السهمان المذكورين في سورة التوبة ، لكن جوّز أبو حنيفة رحمه اللّه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة . وقوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ
خبر مبتدأ محذوف أي : صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر كاجعلوا ما تنفقون للفقراء
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : حبسوا أنفسهم على الجهاد وهم فقراء المهاجرين ، كانوا نحوا من أربعمائة لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر ، كانوا يسكنون صفّة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة ، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم المشهورون بأصحاب الصّفّة ، فحث اللّه عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة حديث 1442 ، ومسلم في الزكاة حديث 1010 .