تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال : كيف أعينكم فقالوا : اهدنا والهداية الدلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير . فإن قيل : قال اللّه تعالى :
فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ
[ الصافات ، 23 ] أجيب : بأنه وارد على التهكم . تنبيه : هدى أصله أن يتعدّى باللام أو بإلى كقوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء ، 9 ]
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الأعراف ، 175 ] فعومل معاملة اختار في قوله تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
[ الأعراف ، 155 ] وقد يتعدى بنفسه كما هنا وهو حينئذ محتمل لإضمار الحرف ولعدم إضماره وهداية اللّه تعالى تتنوّع أنواعا لا يحصيها عدد كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم ، 34 ] [ النحل ، 18 ] ولكنها تنحصر في أجناس مرتبة ، الأوّل : إفاضة القوى التي يتمكن بها المؤمن من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة والثاني : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ، وإليه أشار تعالى حيث قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد ، 10 ] أي : طريق الخير والشر وقال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت ، 17 ] والثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
[ الأنبياء ، 73 ] وقوله :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء ، 9 ] والرابع : أن يكشف لقلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى تعالى بقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام ، 90 ] وقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت ، 69 ] . فإن قيل : ما معنى طلب الهداية وهم مهتدون ؟ أجيب : بأنهم طلبوا زيادة ما منحوه من الهدى والثبات عليه كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
[ محمد ، 17 ] والصراط من قلب السين صادا ليطابق الطاء في الإطباق وقد تشمّ الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه ، قرأ حمزة الصراط المعرف في هذه السورة بالإشمام وهو أن ينطق القارئ بحرف متولد بين الصاد والزاي ، وأشمّ خلف صراط الثاني كالأوّل وكذا جميع ما في القرآن من معرف ومنكر ، وقرأ قنبل جميع ما في القرآن بالسين ، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في الجميع ، وهذه لغة قريش وهي الثابتة في الإمام وهو مصحف سيدنا عثمان رضي اللّه تعالى عنه والمستقيم المستوي ، والمراد به طريق الحق ، وقيل : ملة الإسلام ، وهذان القولان مرويان عن ابن عباس وهما متحدان صدقا وإن اختلفا مفهوما .
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
بالهداية بدل من الأوّل بدل كل من كل والعامل فيه مقدّر على رأي الجمهور ، وقيل : العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ظاهر مذهب سيبويه ، واختاره ابن لك « 1 » . فإن قيل : ما فائدة ذكر صراط الذين أنعمت عليهم بدلا تابعا ؟ وهلا اقتصر عليه مع أنه المقصود بالنسبة ؟ أجيب : بأنّ فائدته التوكيد والتنصيص على أنّ طريق المسلمين هو المشهود عليه
هامش
( 1 ) ابن لك : كذا بالأصل ، ولم أجد له ترجمة في المصادر والمراجع التي بين يدي ، ولعلها تصحيف : ابن مالك . واللّه أعلم .