تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والقول : ما قالت حذام . اه . نعم إن قدر قولوا في
وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ
معطوفا على الزموا بتقدير الإغراء أو اتبعوا ملة إبراهيم بتقدير البدل لم يلزم ما قاله . ولما قالت اليهود للمسلمين : نحن أهل الكتاب الأول ، وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ؛ لأنهم عبدة الأوثان ولو كان محمد نبيا لكان منا ؛ لأنا أهل الكتاب . نزل
قُلْ
لهم
أَ تُحَاجُّونَنا
أي : تجادلوننا أو تخاصموننا
فِي اللَّهِ
أي : في شأنه أن اصطفى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من العرب دونكم ويقولون : لو أنزل اللّه على أحد لأنزل علينا وترون أنكم أحق بالنبوّة منا
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
نشترك جميعا في أننا عباده ، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشأ من عباده هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلا للكرامة
وَلَنا أَعْمالُنا
نجازي بها
وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
تجازون بها أي : كما أنّ لكم أعمالا يعتبرها اللّه في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك ، فالعمل هو أساس الأمر وبه العبرة
وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
في الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة والهمزة للإنكار ، والجمل الثلاث أحوال ، وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام بخلاف عنه وله فيه الروم والإشمام . وقوله تعالى :
أَمْ تَقُولُونَ
قرأه ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي بالتاء ، والباقون بالياء على الغيبة ، فعلى القراءة الثانية أم منقطعة والهمزة للإنكار ، وعلى القراءة الأولى يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في أتحاجوننا بمعنى أيّ الأمرين تأتون المحاجّة وادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء في قولكم :
إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ
لهم يا محمد
أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ
اللّه أعلم ، وقد نفى اللّه تعالى الأمرين عن إبراهيم بقوله تعالى :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً
[ آل عمران ، 67 ] واحتج تعالى على ذلك بقوله تعالى :
وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
[ آل عمران ، 65 ] والمذكورون معه تبع له ، فهم أتباعه في الدين وفاقا .
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ
أي : أخفى عن الناس
شَهادَةً عِنْدَهُ
كائنة
مِنَ اللَّهِ
أي : شهادة اللّه تعالى لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية وهم أهل الكتاب ؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وكتموا شهادة اللّه تعالى لمحمد بالنبوّة في كتبهم وغيرها ، ومن للابتداء كما في قوله تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ التوبة ، 1 ] أي : شهادة كائنة من اللّه ، فمن اللّه صفة لشهادة وقوله تعالى :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
تهديد لهم . وقوله تعالى :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم وقيل : الخطاب فيما سبق لهم ، وفي هذه الآية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم وقيل : المراد بالأمة في الأوّل الأنبياء ، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 142 إلى 148 ]

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 143 ) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 )
هامش
إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذاموالبيت من الوافر ، وهو للجيم بن صعب في العقد الفريد 3 / 363 ، ولسان العرب ( رقش ) .