تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
أي في كتبهم بما فيها .
إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
لا يشركون به .
حُنَفاءَ
شرح
على كونها أشنع حالا من الأخرى مع أن بيان تفرق أهل الكتاب يدل على تفرق المشركين بطريق الأولى ، لأن أهل الكتاب عالمون بحقية أمره عليه السّلام من حيث إن نعوته وبعثته عليه السّلام مذكورة في كتبهم فإذا تفرقوا مع علمهم بحقية أمره كان غير العالم بأمره أولى بالتفرق . قوله : ( أي في كتبهم بما فيها ) كل واحد من حرف الجر متعلق بأمر وأقدر المفعول الأول للدلالة على أن المراد بالأمر الأمر الوارد عليهم بألسنة أنبيائهم ، وأن المعنى : وما أمر أهل الكتاب على لسان سيد المرسلين عليه الصلاة والسّلام إلا بهذه الأشياء . وقدر المفعول الثاني لأن تعدية فعل الأمر إلى مفعوله الثاني بالباء دون اللام ، والمعنى : ما أمر أهل الكتاب بما أمروا به في الكتابين لشيء من الأمور إلا لأجل أن يعبدوا اللّه . وأهل السنة وإن أحالوا أن يكون شيء من أفعاله تعالى معللا بالغرض بناء على أن الفاعل لغرض يكون ناقصا في ذاته مستكملا بذلك الغرض تعالى اللّه عن ذلك ، إلا أنهم قالوا : إن أفعاله تعالى لا بد أن تكون مغياة بالحكم والمصالح وكثيرا ما تستعمل لام الغرض في الحكمة المرتبة على الفعل تشبيها لها به في ترتبها على الفعل في الوجود . وبخ اللّه تعالى أهل الكتاب على تعكيس الأمر ببيان أن الحكمة الأصلية في جميع ما أمروا في كتابهم هي العبادة المقرونة بالإخلاص ، ثم إنهم تركوا ذلك وخالفوا حكمه وأوامره بأن قال بعضهم : عزير ابن اللّه ، وقال بعضهم : عيسى ابن اللّه ، وقال بعضهم : عيسى هو اللّه ، وقال آخرون : ثالث ثلاثة وعامة اليهود مشبهة ، وكل ذلك شرك مخالف للتوحيد وإخلاص العبادة له تعالى فجاز أن يكون الشرك من أوصاف أهل الكتاب أيضا ويكون عطف قوله تعالى :وَالْمُشْرِكِينَفي أول السورة من قبيل عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الذات . وقيل : ليست اللام هنا لام الغرض بل هي صلة و « أن » الناصبة مضمرة بعدها والتقدير : وما أمروا إلا أن يعبدوا أي بأن يعبدوا . روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قرأ « كذلك » بناء على ما نقل عن الفراء فإنه قال : العرب تجعل اللام في موضع « إن » بعد فعل الأمر والإرادة كثيرا كما في قوله تعالى :يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ[ الصف : 8 ] أي أن يطفئوا ويُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ[ النساء : 26 ] أي أن يبينوَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ[ الأنعام : 71 ] أي أن نسلم بمعنى بأن نسلم . ولم يلتفت إليه المصنف لأن جعل اللام صلة وإضمار « أن » بعدها وإضمار الباء الجارة قبلها خلاف الظاهر . قوله تعالى :( مُخْلِصِينَ )حال من الفاعل في « ليعبدوا » و « حنفاء » حال ثانية منه أو من المنوي في « مخلصين » وفي انتصاب « مخلصين » على الحالية من فاعل « ليعبدوا » إشارة إلى أنه يجب تحصيل الإخلاص من ابتداء العبادة إلى انتهائها ، والإخلاص أن يأتي بما يفعله خالصا لداعية