تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
( 14 ) حجة بينة على أعمالها . لأنه شاهد بها وصفها بالبصارة على المجاز أو على عين بصيرة بها فلا يحتاج إلى الإنباء .
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به جمع معذار وهو العذر أو جمع معذرة على غير القياس كالمناكير في المنكر فإن قياسه معاذر وذلك أولى .
شرح
قال : بل لا يحتاج إلى أن يخبر بذلك بناء على أن نفسه شاهدة عليه تخبر بجميع ما فعله من الأفعال وتشهد عليه جوارحه بذلك قال تعالى :يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ[ النور : 24 ] قيل : هذا في حق الكفار فإنهم ينكرون ما عملوه فيختم على أفواههم وتنطق جوارحهم . قوله : ( حجة بينة على أعمالها ) إشارة إلى أن « الإنسان » مبتدأ و « بصيرة » خبره وعلى نفسه متعلق ببصيرة أي على إعمال نفسه ، وأن تأنيث « البصيرة » مع كونها خبرا عن « الإنسان » وهو مذكر مبني على أنها صفة موصوف محذوف أي الإنسان حجة بصيرة أو مثل بصيرة على التشبيه البليغ . شبّه الإنسان بالحجة من حيث كونه شاهدا بالأعمال على نفسه لأن جوارحه تنطق بها فيكون شاهدا على نفسه بشهادة جوارحه كما أن الحجة شاهدة للدعوى ، فالإنسان لما شابه الحجة من حيث كون كل واحد منهما شاهدا . قيل : إنه حجة بينة على أعماله على التشبيه البليغ فقوله : « لأنه شاهد بها » أي شاهد بالأعمال على نفسه علة لحمل المشبه به على المشبه وإشارة إلى وجه الشبه . قوله : ( وصفها بالبصارة على المجاز ) أراد بالمجاز المجاز العقلي . كأنه قيل : سلمنا أن تقدير الكلام : بل الإنسان على نفسه حجة على التشبيه البليغ ، فما معنى توصيف الحجة بكونها بصيرة والبصير إنما هو صاحبها ؟ أجاب عنه بأنه من قبيل الإسناد المجازي ، وصف الحجة بوصف صاحبها للدلالة على كونها واضحة الدلالة سهلة الاهتداء بها ، فإن الهادي إلى الطريق إذا كان بصيرا غير أعمى سهل عليه أمر الدلالة وسهل على غيره الاهتداء به ، فوصف الحجة بكونها بصيرة للإشارة إلى كونها سهلة الدلالة وسهلة الاهتداء بها . فالمصنف أشار إلى هذا المعنى بقوله : « حجة بينة بدل حجة بصيرة » وإن جعل تقدير الكلام : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة بها يكون « الإنسان » مبتدأ و « بصيرة » مبتدأ ثانيا و « على نفسه » خبر الثاني والجملة خبر الأول كقولك : زيد على رأسه عمامة . والعائد من الجملة إلى المبتدأ الأول ضمير نفسه ، والمراد بالبصيرة على هذا هو الملك الموكل أو الجوارح ، فإن الحافظ والرقيب يطلق عليه العين البصيرة . وجواب« لَوْ »في قوله تعالى :وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُمحذوف أي لم يقبل منه المعذرة ولو جاء بكل ما يعتذر به ، فإن العذر لا رواج له يومئذ لأنه يوم تبلى السرائر وتظهر حقائق الأشياء كما هي . قوله : ( وذلك أولى ) أي كون المعاذير جمع معذار أولى من كونه جمع معذرة لأن بناء