تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
بَلاغاً مِنَ اللَّهِ
استثناء من قوله :
لا أَمْلِكُ
فإن التبليغ إرشاد وإنفاع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة ، أو من ملتحدا أو معناه أن لا أبلغ بلاغا . وما قبله دليل الجواب و
رِسالاتِهِ
عطف على
« بَلاغاً »
و
« مِنَ اللَّهِ »
صفته فإن صلته عن كقوله : « بلغوا عني ولو آية »
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه .
فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
وقرىء « فأن » على فجزاؤه أن
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
( 23 ) جمعه للمعنى .
شرح
قوله : ( فإن التبليغ إرشاد وإنفاع ) يعني أنه استثناء متصل من قوله :لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداًبناء على أن تبليغ الرسالة من جنس الرشد . وفائدة الاعتراض تأكيد نفي الاستطاعة المدلول عليه بقوله :لا أَمْلِكُ .قوله : ( أو من ملتحدا ) أي لن أجد موضعا أميل إليه في الالتجاء إلا بلاغا أي لا ينجيني ولا يجيرني إلا أن أبلغ عن اللّه ما أرسلت به . قوله : ( أو معناه أن لا أبلغ بلاغا ) على أن لا يكون الكلام استثناء بل شرطا والأصل « أن لا » فأدغم ، « فإن » شرطية فعلها محذوف وهو أبلغ حذف لدلالة مصدره عليه و « لا » نافية والمعنى : أن لا أبلغ بلاغا من اللّه فلن يجيرني منه أحد . وهذا الوجه ضعيف لأن حذف فعل الشرط وإبقاء أداته قليل جدا ، وقد انضم إليه في الآية حذف الجزائية لأن نفس الجزاء لا يتقدم على الأداة عند البصريين . قوله : ( عطف على بلاغا ) كأنه قيل : لا أملك إلا التبليغ والرسالة و « من اللّه » صفة « بلاغا » أي بلاغا كائنا من اللّه تعالى . وليست كلمة « من » متعلقة بقوله : « بلاغا » لأن صلة التبليغ في المشهور إنما هي كلمة « عن » دون « من » . قوله : ( في الأمر بالتوحيد ) إشارة إلى الجواب عن استدلال المعتزلة بهذه الآية على أن عصاة المؤمنين مخلدون في النار . ووجه الاستدلال أن العصيان المذكور فيها عام يتناول كل ما يصدق عليه أنه عصيان ومخالفة للأمر سواء كان عصيان الكفر أو عصيان الفسق ، وقد حكم على العاصي بهذا المعنى العام بأنه مخلد في النار أبدا فثبت مدّعي جمهور المعتزلة . وتقرير الجواب عن استدلالهم أن العصيان وإن كان يتناول كل ما يصدق عليه أنه عصيان إلا أنه قد تقرر أن العام يجوز تخصيصه بأمور منها : تخصيصه بالقرائن المتعاقبة ، والعصيان المذكور في الآية من هذا القبيل فإن المقصود من أمره عليه الصلاة والسّلام بأن يقول لمشركي قريش : أيها المصرون على الشرك قد أوحي إليّ أن الشأن استمع هذا القرآن نفر من الجن فآمنوا به وبوحدانيته تعالى وتنزهه عن الشريك والصاحبة والولد ، ثم دعوا قومهم إلى أن يؤمنوا به هو توبيخ مشركي مكة بإصرارهم على الشرك ، كأنه قيل : ما لكم تصرون على الشرك والعناد مع طول ما دعوتكم إلى التوحيد ، وتلوت عليكم من القرآن ما يدل على بطلان الشرك والجن قد آمنوا بالقرآن وتبرؤوا من الشرك أول استماعهم إياه ثم ولوا إلى قومهم منذرين عن الشرك وسوء عاقبته ؟ فظهر أن
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 369 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين