والنعمة ففتروا عما كانوا عليه . فنزلت .
وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر . ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر اللّه . وقرأ نافع ويعقوب وحفص نزل بالتخفيف وقرىء « أنزل » .
وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ
عطف على
« تَخْشَعَ »
. وقرأ رويس بالتاء . والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله :
فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
أي فطال عليهم الزمان بطول أعمارهم وآمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم . وقرئ « الأمد » وهو الوقت الأطول
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 16 ) خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة .
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة ، أو لإحياء الأموات ترغيبا في الخشوع وزجرا عن القساوة .
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 17 ) أي تكمل عقولكم
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ
أن
شرح
الذين آمنوا على الحقيقة فإن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية وقد لا يكون له ذلك . فلعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة قلب فحثوا عليه بهذه الآية . ويحتمل أن يكون قوم من المؤمنين كان فيهم مزيد خشوع ثم زال عنهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها . روي عن الأعمش أنه قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية . وعن أبي بكر رضي اللّه عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب . قوله : ( عطف أحد الوصفين على الآخر ) فإن القرآن كما أنه ذكر من اللّه تعالى وموعظة فهو أيضا حق نازل من السماء فيكون العطف هنا كما في قوله تعالى :وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ[ البقرة : 53 ] أي الجامع بيّن كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل . ويجوز أن يراد بالأول ذكر اللّه مطلقا وبالثاني القرآن كما في قوله تعالى :إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً[ الأنفال : 2 ] .
قوله : ( وقرأ نافع ويعقوب وحفص نزل بالتخفيف ) على بناء الفاعل وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شددوا الزاي . وقرىء « نزل » مشددا مبنيا للمفعول و « نزل » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى .
وقرأ الجمهور و « لا يكونوا » بياء الغيبة جريا على نسق ما قبله . وقرىء بتاء الخطاب على الالتفات على أن تكون كلمة « لا » ناهية ويكون الفعل مجزوما بها وأن تكون نافية ويكون الفعل منصوبا عطفا على« تَخْشَعَ »كما في قراءة الغيبة . قوله : ( أو ما بينهم وبين أنبيائهم ) عطف على أعمارهم وقسوة القلب غلظته ويبسه . وفي الآية إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى قسوة القلب المؤدية إلى الكفر . نعوذ باللّه من ذلك . قوله : ( تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر ) يعني أن قوله تعالى :يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهااستعارة