وقرىء « رفيع » بالنصب على المدح
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ
خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي ، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد . و « الروح » الوحي و « من آمره » بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدأه . والأمر هو الملك المبلغ .
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
يختاره للنبوة ، وفيه دليل على أنها عطائية .
لِيُنْذِرَ
شرح
يكون الرفيع بمعنى الرافع وتكون الدرجات عبارة عن درجات الأنبياء والأولياء في الجنة وعن مراتب المخلوقات في العلوم والأخلاق الفاضلة ونحو ذلك . والمصنف أشار بقوله : « فإن من ارتفعت درجات كماله » الخ إلى أن رفيع بمعنى مرتفع وأن المراد بالدرجات صفات كماله التي هي من قبيل المعقولات ، فقوله تعالى :رَفِيعُ الدَّرَجاتِيدل على علو صمديته من حيث المعقول والعرش من جنس الجسمانية المحسوسة فكان قوله :ذُو الْعَرْشِأي خالقه ومالكه ومدبره الأعلى علو صمديته من حيث المحسوس فإن من كان محل تصرفه وتدبيره أعظم كانت صمديته ونفاذ قدرته أتم وأقوى . وإن كان المراد بالدرجات مراتب المخلوقات يكون الرفيع بمعنى الرافع فإنه تعالى رفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة ، ورفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة والأرزاق والآجال وجعل لكل واحد من الملائكة درجة معينة كما قال :وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ[ الصافات : 164 ] وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة كما قال :يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ[ المجادلة : 11 ] وعيّن لكل نوع من الأجسام درجة فجعل بعضها أرضية سفلية كدرة وبعضها فلكية علوية مشرقة وبعضها من جواهر العرش والكرسي . وإن كانت الدرجات عبارة عن مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش يحتمل أن يكون الرفيع بمعنى المرتفع وكذا إن كانت عبارة عن السماوات كما قال سعيد بن جبير : هي سماء فوق سماء والعرش فوقهن .
قوله تعالى :( يُلْقِي الرُّوحَ )الصحيح أن المراد به الوحي سمي روحا تشبيها له بالروح من حيث إن الروح لحياة الأجسام والوحي سبب لحياة القلوب ، فإن حياة القلوب إنما هي بالمعارف الحاصلة بالوحي فلما كان الوحي سببا للحياة صار بمنزلة الروح فسمي روحا .
واعلم أن ما سوى اللّه تعالى إما جسماني وإما روحاني ، فبيّن اللّه تعالى بهذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخيره تعالى ، أما الجسماني فأعظمه العرش فقوله تعالى :ذُو الْعَرْشِيدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام وقوله :يُلْقِي الرُّوحَالخ يدل على أن الروحانيات أيضا كالجسمانيات مسخرات لأمره والباء في قوله : « بإظهار آثارها » صلة الأمر أي الملائكة مسخرات لأمره بإظهار الوحي وتبليغه إلى الأنبياء استعير الروح للوحي لأنه يحيي به القلب بخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة ، ثم بيّن الوحي بالأمر بمعنى طلب الخير والبعث عليه وهو أن يتحلى المكلف بما أمره به الشارع وندبه إليه ويتخلى