عنهم قبل أن يؤمر وقيل : وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك . وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم
شرح
لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم ؟ ثم أوحى تعالى إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه إليهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد ، فأتاهم يونس وقال لملكهم : إن اللّه تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل . قالوا : ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ، وقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا اللّه عنكم . فطاف بهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه ، فأوحى اللّه تعالى إليه قل لهم : إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب ، فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم . فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين عندهم فقالوا : انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء ، وإن كان قد خرج فهو كما قال . فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشية فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها دوابهم ولا غنمهم وعزلوا كل والدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات . ثم قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح رأوا العذاب نزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان ونعقت الأغنام والبقر ، فرفع اللّه العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل . فعلى هذه الرواية كانت رسالة يونس بعد نبذ الحوت ، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات :* فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ[ الصافات : 145 - 147 ] وأكثر العلماء على أن قصة الحوت وذهاب يونس مغاضبا إنما وقعت بعد أن أرسله اللّه إليهم وبعد أن رفع العذاب عنهم بسبب توبتهم وإخلاصهم في الدعاء . وذكر المصنف في سبب خروجه وغضبه أمرين : الأول أنه غضب عليهم لطول ما ذكرهم وأقاموا على كفرهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا للّه وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله ، وكان عليه أن يصبر وينتظر الإذن من اللّه تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت . والثاني أنه لما أخبر قومه أن اللّه تعالى ينزل العذاب بهم لأجل معلوم وفارقهم ثم بلغه بعد مضي الأجل أنه تعالى لم يعذبهم ولم يعلم لأي سبب لم يعذبهم ، فخشي أن ينسب إلى الكذب ويعير به فقال : لا أرجع ، إلى قومي كذابا ، فذهب مغاضبا للرجوع إليهم كارها له . والغضب والكراهة وإن كان من قبله خاصة إلا أنه أخرج على بناء المفاعلة للدلالة على كمال غضبه والمبالغة فيه لأن أكثر استعمال بناء المفاعلة في المبالغة ، ولا شك أن ما صدر بطريق المبالغة يكون أتم . ويحتمل أن يكون البناء على بابه من باب المشاركة من حيث إنه أغضب قومه حين لم يؤمنوا بدعوته وأصروا على الكفر مدة ، وأغضبوا إياه حين خرج من بينهم لخوفهم لحقوق العذاب بهم عند خروجه من بينهم .