يَخْلُقُوا ذُباباً
لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن « لن » بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه . والذباب من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان .
وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين ؟
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلها قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء . وبيّن ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ، بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأدل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها . قيل : كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله .
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
( 73 ) عابد الصنم ومعبوده . أو الذباب يطلب ما يسلب من الصنم من الطيب والصنم يطلب منه الذباب السلب . أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما سلبه ، ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات .
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
ما
شرح
وشركاء . ولا يخفى أن القول بأن ضرب بمعنى جعل لا يخلو عن بعد . قوله : ( لا يقدرون على خلقه ) تصوير لمعنى تأكيد النفي المستفاد من كلمة « لن » لأن نفي القدرة على الفعل آكد من نفي نفس الفعل لكون نفيها نفيا للفعل بدليل بخلاف نفي أصل الفعل فإنه نفي مجرد .
قوله : ( لأن لن بما فيها من تأكيد النفي ) علة لتصوير معنى تأكيد النفي لنفي القدرة على الخلق ، فإن تحقق المنافاة بين المنفي والمنفي عنه إنما يكون بعدم القدرة على الفعل المنفي . قوله : ( وجمعه أذبة وذبان ) يعني أن الذباب اسم جنس وجمعه القليل أذبة ، ويجمع في الكثرة على ذبان بكسر الذال وضمها . والمذبة ما يطرد بها الذباب . قوله : ( بجوابه المقدر في موضع حال ) قد تقرر أن الواو في مثل هذا التركيب عاطفة لهذه الجملة الحالية على حال محذوفة ، أي انتفى خلقهم الذباب على كل حال ، ولو كانت فيهم هذه الحالة المقتضية لخلقه لخلقوه . وكأنه تعالى قال : إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على حقارتها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا وشريكا لخالق السماوات والأرض ؟
قوله : ( عابد الصنم ومعبوده ) فإن عابده يطلب منه بعبادته إياه أن ينفعه ويشفع له ، فالطالب هو العابد والمطلوب هو الثواب والنفع والمطلوب منه هو الصنم ، إلا أنه أطلق المطلوب على الصنم على طريق الحذف والإيصال . قوله : ( أو الذباب يطلب ما يسلب من الصنم من الطيب ) فعلى هذا الطالب هو الذباب والمطلوب هو الطيب المسلوب والمطلوب منه هو الصنم ، وأطلق عليه المطلوب على طريق الحذف والإيصال أيضا . قوله : ( أو الصنم والذباب ) فعلى هذا الطالب هو الصنم والمطلوب هو الاستنقاذ والمطلوب منه هو الذباب ،