إِلَّا اللَّهُ
جملة وقعت اعتراضا أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ولا يعلمهم اعتراض . والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا اللّه ، ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه : كذب النسابون .
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ
فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام كقوله تعالى :
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
[ آل عمران : 119 ] أو وضعوها عليها تعجبا منه أو استهزاء عليه كمن غلبه الضحك أو إسكانا للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أو أمرا لهم بإطباق الأفواه وأشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم : « إنا كفرنا » تنبيها على أن
شرح
بدل منالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْأو عطف بيان له ثم قال :وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُوذكر المصنف فيه احتمالين : الأول أن يكون قوله :وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْمبتدأ وقوله :لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُخبره وتكون الجملة الاسمية معترضة بعد الكلام على ما جوّزه صاحب الكشاف ، أو بين الحال وصاحبها أن جعل قوله تعالى :جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِحالا منالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْعلى مذهب من يجوّز انتصاب الحال من المضاف إليه . وفائدة الاعتراض التنبيه على كثرة الأمم المتقدمين كأنه قيل : إن من بعدهم بلغ من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه فكيف بالمجموع . والاحتمال الثاني أن يكون قوله :وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْمعطوفا على ما قبله وهوقَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَويكون قوله :لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُاعتراضا لبيان كثرة من قبلهم والمعنى : ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذين لا يعلم عددهم إلا اللّه لكثرتهم . وقول المصنف : « والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا اللّه » بيان للمعنى على الاحتمالين لكن يختلف مرجع ضمير أنهم بحسب الاحتمالين ، فإن المعنى على الاحتمال الأول : أن الذين من بعدهم بلغوا من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه فيكون المقصود الترقي في بيان كثرة من قبلهم ، كأنه قيل : ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصي عددهم ممن بعدهم فهو بمنزلة أن يقال : دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر . وفيه لطف من حيث إنه يوهم الجمع بين الإجمال والتفصيل ولهذا قدم هذا الاحتمال في الذكر .
والمعنى على الثاني : أن الذين من قبلكم لكثرتهم لا يعلمهم إلا اللّه فيكون حاصل المعنى ما مر من قولنا : ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الخ . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون المعنى على الاحتمالين تكثير المتقدمين بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه . كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول : كذب النسابون ، يعني أنهم يدعون علم الإنساب ويوصلونها إلى آدم عليه السّلام .
وقد نفى اللّه تعالى علمها عن العباد حيث بيّن أن فيمن قبلكم أقواما كذبوا رسلهم فأهلكوا ولم يبلغ إليكم خبرهم فلا يعلمهم إلا اللّه . ونظير هذه الآية قوله تعالى :وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً[ الفرقان : 38 ]وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً[ الفرقان : 39 ] وقوله تعالى :مِنْهُمْ مَنْ