سدّ لإيمانهم ، وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغيّ وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي . والخامس أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] تهكما واستهزأ بهم كقوله
شرح
غايته بحيث لا يكون لهم طريق إلى الإيمان سوى الإلجاء إليه . فكأنه قيل : لا ينفع الإنذار فهم لا يؤمنون أصلا بناء على أنه سبحانه وتعالى لم يقسرهم على الإيمان ولا طريق إليه غير القسر فتعين أنهم لا يؤمنون ، فالجواب عن السؤال عن السبب المطلق بأنه سبحانه وتعالى لم يقسرهم على الإيمان إنما يصح إذا كان مقتضى حالهم الإلجاء إليه وانتفاء طريق سواه فأطلق الختم على ترك القسر مجازا مرسلا ثم كنى به عن تناهيهم في الإصرار على الكفر والضلال بحيث لا طريق إلى إيمانهم سوء الإلجاء إليه ، فليس المقصود من الإخبار بعدم قسرهم على الإيمان مجرد بيان هذا الحكم بل هو كناية عن تناهيهم في الكفر إذ ينتقل منه إلى أن مقتضى حالتهم الإلجاء إليه لولا مانع ابتناء التكليف على الاختيار . قوله :
( الخامس ) محصوله أنه إنما لا يجوز إسناد الختم إليه إن لو كان المقصود من هذا الكلام أن يبين اللّه سبحانه وتعالى من عند نفسه أحوالهم وما فعل بهم بنفسه وليس كذلك ، بل المقصود حكاية مقالتهم نقلا بالمعنى لا بعبارتهم تهكما بهم واستهزاء . وإذا كانت هذه المقالة مقالة الكفرة بالمعنى كان ما فيها من إسناد الختم إليه سبحانه وتعالى حقيقة بناء على ما ذكر في قوله : « لأنهم يجوزون إسناد القبائح إليه سبحانه وتعالى » وأما نفس الختم فيجوز أن يكون حقيقة بناء على ما ذكر في قوله سبحانه وتعالى حكاية عنهم :وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ[ البقرة : 88 ] من أنهم أرادوا أنها في أغطية جبلية وفطرية ، وأن يكون مجازا كما ذكر في قوله سبحانه وتعالى :وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ[ فصلت : 5 ] الآية إلا أنها تمثيلات لنبو قلوبهم عن الحق . وإنما قالوا إن هذه الآية حكاية لمقالتهم بالمعنى لأن كون القلوب في أكنة معناه الختم عليها ، كما أن معنى ثبوت الوقر في الآذان هو الختم عليها ، وثبوت الحجاب بينه عليه السّلام وبينهم معناه تغطية الأبصار . وقوله : « تهكما » علة لقوله : « حكاية » وكون هذه الحكاية على سبيل التهكم مما يعرف بالذوق السليم وقوله كقوله تعالى :لَمْ يَكُنِيعني أن هذه الآية مثل قوله تعالى :لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا[ البينة : 1 ] الآية في كونه حكاية لكلام الكفرة تهكما بهم واستهزاء فإنه سبحانه وتعالى حكى بقولهلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوامعنى ما كانوا يقولونه قبل البعثة بعبارة أخرى ، فإنهم كانوا يقولون قبلها : لا ننفك عن ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود في التوراة والإنجيل ، أي لا نتركه إلا عند بعثته لأن ما بعد حتى لا بد أن يغاير ما قبلها في الحكم ، والبينة الحجة الواضحة ، ورسول بدل من البينة .