أَجْمَعِينَ
إذ لا يسع لهم وليس في وسعهم ان يسدوا سنن مداخلى فيهم وطرق مخادعتي إياهم
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
ألا وهم المؤمنون الموقنون المخلصون الذين قد أخلصوا في عموم أعمالهم وأحوالهم معك واعتصموا بحبل توفيقك راجين من رحمتك ورضوانك هاربين مرعوبين عن مقتضى سخطك وغضبك بلا ميل لهم إلى ما يلهيهم ويشغلهم عنه
قالَ
سبحانه في جوابه اظهار الكمال الاستغناء والقدرة
فَالْحَقُّ
الثابت المثبت ما قلت لك في هذه النشأة يا ملعون من الطرد والتبعيد وانظارك فيما بينهم للاختبار والاعتبار
وَالْحَقَّ أَقُولُ
اى أقول الحق أيضا فيما يترتب على اغرائك واغوائك إياهم واتباعهم لك في هذه النشأة وكذا ما يترتب على متابعتهم إياك في النشأة الأخرى والكل هو هذا واللّه بمقتضى عزتي وجلالي
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
المعدة لأصحاب الشقاوة الأزلية من المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية الضالين عن الصراط السوى
مِنْكَ
اى من جنسك الذي هو الجن
وَ
أيضا
مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
اى من جنس الانس
أَجْمَعِينَ
تابعا ومتبوعا ضالا ومضلا
قُلْ
يا أكمل الرسل بعد ما بلغت ما يوحى إليك من الحق الصريح على وجهه بلا خبط وخلط وبلا زيادة ونقصان كلاما ناشئا عن محض الحكمة والعدالة
ما أَسْئَلُكُمْ
ولا اطلب وأطمع منكم أيها المكلفون
عَلَيْهِ
اى على تبليغى إياكم ما أمرت بتبليغه من ربي
مِنْ أَجْرٍ
اى جعل ومال على عادة أصحاب التلبيس من المتشيخة الذين هم من اعونة إبليس وأنصاره
وَما أَنَا
أيضا
مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
المتصنعين بخصائل ليس في أمثالهم على سبيل التلبيس والتدليس بل
إِنْ هُوَ
اى ما هو اى القرآن المنزل على
إِلَّا ذِكْرٌ
اى عظة وتذكير
لِلْعالَمِينَ
من الثقلين المجبولين على فطرة الدراية والإيقان المكلفين بطرق الهداية والايمان وسبل التوحيد والعرفان
وَلَتَعْلَمُنَّ
أنتم أيها المتذكرون الوحي والقرآن العظيم والمعرضون عنه
نَبَأَهُ
اى صدق اخباره وحقية مواعيده ووعيداته وما يترتب عليها وعلى قصصه المذكورة وأحكامه الموردة فيه وكذا ما ينكشف عندكم ولاح لديكم من حكمه ورموزه وإشاراته ومعارفه وحقائقه
بَعْدَ حِينٍ
اى بعد انخلاعكم من لوازم ناسوتكم بالمرة واتصافكم بخلعة اللاهوت في النشأة الأخرى حين تبلى السرائر وتكشف الضمائر وارتفعت الحجب والأستار فاعتبروا الآن يا أولى الأبصار وذوى الاعتبار بما فيه من السرائر والأسرار
خاتمة سورة ص
عليك أيها السالك المتدبر في رموزات القرآن والمتأمل المتدرب في درك إشاراته الخفية تحت أستار ألفاظه وأحكامه المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن وتصفية السر عن التوجه نحو الغير مطلقا ان تعرف أولا ما في نفسك من اعونة الشيطان وجنوده الامارة بالسوء المزعجة لك إلى قبول مأموراتها المقتضية للبعد عن جادة العدالة التوحيدية الإلهية التي هي صراط اللّه الا قوم وتجاهد معها مهما أمكنك وأعانك الحق ومكنك ووفقك لتسخيرها إلى أن صارت مغلوبة لك مقهورة تحت قهرك حسب ما يسر اللّه ووفقك على غلبتك إياها ثم بعد ذلك نبع من صدرك ينابيع الحكم المترشحة من بحر الوحدة الذاتية وجرى على لسانك ما أراد اللّه وشاءه بعد ما افناك عنك وابقاك ببقائه وصار سبحانه قلبك وسمعك وبصرك وجميع قواك وحينئذ قد اجتمع الفرق وارتبق الفلق واتحد الظهور والبطون وانطوى الأزل والأبد واتصل الأول والآخر والظاهر والباطن وبالجملة هو بكل شيء عليم ليس كمثله شيء ولا معه حي وهو الحي القيوم وحده وهو السميع العليم لا غير معه