تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وقال أبو عبيدة - رضي اللّه عنه - : كما يقشقش الهناء الجرب فيبرئه « 1 » . قال ابن السكيت : يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف ، والجرب في الإبل إذا قفل : قد توسّف جلده ، وتقشّر جلده ، وتقشقش جلده . قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، لقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، هلمّ فلنعبد ما تعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كلّه ، فإن كان ما جئت به خيرا مما بأيدينا ، كنّا قد شاركناك فيه ، وأخذنا بحظّنا منه ، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت بحظك منه ، فأنزل اللّه - عز وجل -
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ،
ونزل قوله :
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
[ الزمر : 64 ] ، فغدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المسلمين في الحرم ، وفيه الملأ من قريش ، فقام صلى اللّه عليه وسلم فقرأها عليهم ، حتى فرغ من السورة ، فأيسوا منه عند ذلك « 2 » . وروى أبو صالح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهم - أنهم قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك ، فنزل جبريل - عليه السلام - بهذه السورة فيئسوا منه وآذوه ، وآذوا أصحابه « 3 » . فإن قيل : لم وصفهم في هذه السورة بالكافرين وفي السورة الأخرى بالجاهلين كما تقدم ؟ . فالجواب : لأن هذه السورة بتمامها نزلت فيهم ، فتكون المبالغة فيها أشد فبولغ فيها بالوصف الأشنع ، وهو الكفر ، لأنه مذموم مطلقا ، والجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة فقد يذم عند التقييد ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « علم الإنسان علم لا ينفع ، وجهل لا يضرّ » . فإن قيل : قال في سورة التحريم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الآية : 7 ] ، بغير « قل » ، وهنا - جلّ وعز - ذكر « قل » وذكره باسم الفاعل . فالجواب : أنه في سورة « التحريم » إنما يقال لهم يوم القيامة ، وثمّ لا يكون رسولا إليهم ، فإذا زال الواسطة ، ويكونون في ذلك الوقت مطيعين ، لا كافرين ، فلذلك ذكره بلفظ الماضي . وأما هاهنا فكانوا موصوفين بالكفر ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسولا إليهم ، فقال تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ .
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 727 - 728 ) ، عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 692 ) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والطبراني . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 154 ) .