تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
فإن قيل : كونه كريما يقتضي ألا يغتر الإنسان بكرمه ؛ لأنه جواد مطلق ، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع ، وعصيان المذنب ، وهذا لا يوجب الاغترار وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - أنّه دعا غلامه مرات ، فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له : لم لا تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه . وقالوا - أيضا - من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، وإذا ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله - هاهنا - مانعا من الاغترار ؟ . فالجواب من وجوه : الأول : أن المعنى لما كنت ترى حلم اللّه - تعالى - عن خلقه ظننت أن ذلك لا حساب ، ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى الاغترار وجرّأك على إنكار الحشر ، والنشر ، فإنّ ربك كريم ، فهو من كرمه - تعالى - لا يعاجل بالعقوبة بسطا في مدة التوبة ، وتأخيرا للجزاء ، وذلك لا يقتضي الاغترار . الثاني : أنّ كرمه تعالى لمّا بلغ إلى حيث لا يمنع العاصي من أن يطيعه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم كان أولى ، فإذا كان كونه كريما يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك الجزاء والاغترار . الثالث : أنّ كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة ، والاستحياء من الاغترار . الرابع : قال بعضهم : إنما قال : « بربّك الكريم » ليكون ذلك جوابا عن ذلك السؤال حتى يقول : غرني كرمك ، فلو لا كرمك لما فعلت ؛ لأنك رأيت فسترت ، وقدرت فأمهلت . وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
ليس هو « الكافر » .

فصل في غرور ابن آدم

قال قتادة - رضي اللّه عنه - : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان « 1 » وقال مقاتل : غرّه عفو اللّه حين لم يعاقبه أوّل مرة « 2 » . وقال السديّ : غرّه عفو اللّه « 3 » . وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو اللّه به يوم القيامة ، فيقول تعالى : ما
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق وذكره البغوي في « تفسيره » ( 4 / 455 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 4 / 455 ) . ( 3 ) ينظر المصدر السابق .